في خطوة أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط الإعلامية والحقوقية، قررت السلطات الإماراتية حصر استخدام الزي الوطني في الإعلانات التي تُنشر على وسائل التواصل الاجتماعي على المواطنين الإماراتيين فقط.
وبحسب ما نقلته وسائل إعلام محلية، فإن القرار سيُفعل قريباً من قبل “مجلس الإمارات للإعلام”، ويُلزم الجهات الإعلانية باستخدام مواطن إماراتي فقط عند عرض محتوى يتضمن الزي الوطني أو أي رموز ثقافية محلية، بحجة “الحفاظ على الهوية الوطنية”.
إلا أن خلف هذه الحجة تقبع سياسات تمييزية واضحة تتجه نحو تعميق الفجوة بين المواطنين والمقيمين في دولة تضم أكثر من 85% من سكانها من غير المواطنين.
حماية الهوية أم تسويق للتمييز؟
يأتي القرار الإماراتي الجديد في إطار سلسلة من السياسات التي تزعم الحفاظ على “الهوية الوطنية”، في بلد يشتهر بتنوعه السكاني والثقافي الكبير نتيجة اعتماد اقتصاده على العمالة الوافدة.
بحسب بيان مجلس الإمارات للإعلام، فإن الهدف من القرار هو “ضمان تقديم صورة دقيقة للهوية الإماراتية” ومنع “تحريف الرموز الثقافية في الإعلام”، كما اشترط القرار أن يرتدي الممثل الإماراتي في الإعلان الزي الوطني الرسمي.
إلا أن قراءة أعمق لهذا القرار تُظهر أنه لا يهدف فقط إلى “حماية الهوية”، بل يعكس أيضًا ذهنية إقصائية تتعامل مع الموروث الثقافي باعتباره ملكاً حصرياً لفئة دون أخرى.
فالتمييز بين من يحق له ارتداء الزي الوطني ومن لا يحق له، لا يُعبّر فقط عن انفصال الطبقة الحاكمة عن واقع التنوع الاجتماعي في الإمارات، بل عن سعي لتكريس هوية مصطنعة مقصورة على المواطنين، واستبعاد ممنهج للمقيمين الذين عاشوا عقوداً في الدولة وشاركوا في نهضتها.
سياسات الهوية كأداة للتحكم المجتمعي
القرار الجديد ليس سوى جزء من نمط أوسع تمارسه السلطات الإماراتية، يُعرف بسياسات “الهندسة الاجتماعية”، والتي تهدف إلى إعادة تشكيل الفضاء العام من خلال ضبط الرموز، واللغة، والمظاهر العامة بما يخدم سردية الدولة حول الهوية.
وفي هذا السياق، يصبح الزي الوطني أداة رمزية تُستخدم لإعادة ترسيم الحدود بين “المواطن” و”الوافد”، وبين “الأصيل” و”الدخيل”، وهو أمر بالغ الخطورة في مجتمع قائم على التعددية بحكم الواقع.
كما أن هذا القرار يُعيد إلى الأذهان سياسات مشابهة منعت في السابق غير الإماراتيين من استخدام اللهجة الإماراتية في الإعلام، وفرضت قيوداً على استخدام الرموز الوطنية، في مشهد يعكس عقلية “الاحتكار الثقافي” التي تتناقض مع ادعاءات الانفتاح والتسامح التي تروّج لها أبوظبي على المستوى الدولي.
ورغم أن الإمارات تُنفق الملايين على تسويق صورة حديثة عنها كواحة للتسامح والتعايش، فإن هذه السياسات تُبرز تناقضاً صارخاً بين الصورة المُعلنة والسياسات الفعلية التي تُمارس على الأرض، ما يُضعف من مصداقية الخطاب الرسمي للدولة.
عنصرية ممنهجة ضد غير المواطنين
في بلد يفوق عدد المقيمين فيه عدد المواطنين بنسبة كبيرة، تبدو مثل هذه القرارات محاولة لعزل فئة بعينها – هي المواطنون – داخل “هوية نقية”، وفصلهم عن ملايين العمال والوافدين من جنسيات آسيوية وعربية وأفريقية يعيشون ويعملون في الإمارات دون أي حقوق متساوية أو تمثيل سياسي أو ثقافي.
وإذا كانت الأنظمة العنصرية تُعرف بأنها تلك التي تضع قوانين تميّز بين فئات المجتمع على أساس العرق أو الأصل، فإن قرار مجلس الإمارات للإعلام يتوافق تماماً مع هذا التعريف. فالتمييز هنا لا يتعلق فقط بالحقوق السياسية أو الاقتصادية، بل يتجاوز إلى منع فئة سكانية واسعة من تمثيل أو حتى ارتداء زيّ يُعد جزءاً من ثقافة البلد التي يعيشون فيه.
وعلى الرغم من أن الزي الإماراتي يُستخدم في مختلف المناسبات، الرسمية وغير الرسمية، إلا أن الدولة قررت تجريده من قيمته الاجتماعية وجعله حكراً على فئة واحدة فقط. وهذا لا يُعبّر فقط عن سياسة عنصرية، بل عن استعلاء ثقافي لا يليق بدولة تطمح للعب دور إقليمي وعالمي كبير.
بين التجميل الخارجي والتمييز الداخلي
القرار الإماراتي لا يمكن فصله عن السياق الأوسع لسياسات النظام الحاكم، الذي يسعى إلى تقديم صورة براقة للإمارات في الخارج، بينما يُحكم السيطرة داخلياً من خلال قوانين تقيد الحريات وتفرّق بين المواطنين والمقيمين على كل المستويات.
كما أنه يعكس مخاوف النظام من ذوبان الهوية الرسمية في ظل التنوع الكبير، فيسعى لفرض قيود تُظهر “الإماراتي” على أنه النموذج الوحيد المقبول ثقافياً وتمثيلياً.
وفي هذا الإطار، يتحول الحفاظ على الهوية من مسألة طبيعية إلى أداة للرقابة والسيطرة، ومن وسيلة للاعتزاز بالثقافة المحلية إلى وسيلة لإقصاء الآخر. وهي مفارقة تكشف أن “الهوية” في الإمارات لم تعد مجرد تراث يُحتفى به، بل باتت سلاحاً سياسياً يستخدمه النظام لتثبيت أركان حكمه، ولو على حساب أبسط مبادئ العدالة والمساواة.
اقرأ أيضًا : الإمارات تحظر لهجتها على غير المواطنين: حماية ثقافة أم تمييز عنصري؟