في تطور لافت يؤكد حجم الضغوط التي تتعرض لها المحكمة الجنائية الدولية، أمر قضاة لاهاي المدعي العام كريم خان بإصدار أوامر اعتقال بحق مجرمي الحرب الإسرائيليين تحت غطاء من السرية الكاملة.

القرار جاء عقب انتقادات للقاضي خان بسبب “الدعاية المفرطة” التي رافقت الإعلان عن مذكرتي الاعتقال بحق كل من رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو ووزير حربه السابق يوآف غالانت، على خلفية اتهامهما بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال العدوان على قطاع غزة.

وبحسب ما نقلته وسائل إعلام إسرائيلية، فإن القضاة اعتبروا أن الإعلان المسبق عن مذكرات التوقيف ألحق ضررًا بإجراءات المحكمة وأدى إلى تعقيد عملها، عبر تعريضها لضغوط دبلوماسية وإعلامية كثيفة. 

ولهذا، ارتأوا أن تبقى التحقيقات المقبلة طي الكتمان، بحيث تُصدر أوامر الاعتقال دون إعلان فوري، لحماية نزاهة التحقيقات ومنع تهرب المطلوبين من العدالة.

أوامر اعتقال جديدة على الطاولة

في السياق ذاته، أكدت مصادر سياسية مرافقة لنتنياهو في زيارته إلى المجر أن المدعي العام كريم خان يدرس بالفعل إصدار مذكرات توقيف إضافية بحق مسؤولين إسرائيليين آخرين، دون تحديد أسمائهم أو مناصبهم.

هذه الخطوة تؤشر إلى أن التحقيقات المتعلقة بجرائم الحرب الإسرائيلية في غزة لا تزال تتوسع، رغم المحاولات الحثيثة من حكومة الاحتلال لتقويض عمل المحكمة عبر التهديدات والضغوط السياسية.

وقد فتح إصدار مذكرتي التوقيف السابقتين ضد نتنياهو وغالانت الباب واسعًا أمام محاسبة قيادات الاحتلال، لا سيما في ظل توثيق واسع النطاق لانتهاكات جسيمة بحق المدنيين الفلسطينيين، شملت الاستهداف المباشر للمستشفيات والمدارس ومخيمات النازحين.

ومع أن إصدار أوامر اعتقال إضافية سيكون سرًا في البداية، إلا أن أثره السياسي على مكانة الاحتلال الإسرائيلي سيكون مدويًا، خاصة في الساحة الدولية التي بدأت تشهد تحولات في التعاطي مع جرائم الاحتلال.

هروب المجر: ضغوط إسرائيلية تؤتي ثمارها مؤقتًا

على وقع هذه التطورات، سارعت المجر إلى إعلان نيتها الانسحاب من عضوية المحكمة الجنائية الدولية، في خطوة اعتُبرت على نطاق واسع محاولة لتمهيد الطريق أمام نتنياهو لتفادي الاعتقال خلال زيارته الحالية لبودابست. 

وأوضح جيرجيلي جولياس، مدير مكتب رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، أن الحكومة ستبدأ فورًا إجراءات الانسحاب بما يتوافق مع الأطر القانونية والدستورية.

غير أن المحكمة الجنائية الدولية سارعت للتأكيد أن الانسحاب لا يصبح نافذًا إلا بعد مرور عام على تسليم خطاب رسمي إلى الأمم المتحدة، مما يعني أن المجر تبقى ملزمة حاليًا بتنفيذ أي أوامر اعتقال صادرة عن المحكمة، بما في ذلك بحق نتنياهو أو أي مسؤول آخر إذا زار أراضيها خلال هذه الفترة الانتقالية.

ويرى مراقبون أن قرار المجر يكشف عن حجم الضغوط الإسرائيلية والأمريكية الرامية إلى إضعاف المحكمة، خاصة مع تصاعد المخاوف من تحركات مماثلة من دول أخرى حليفة للاحتلال. ومع ذلك، تبقى المحكمة ماضية في خطواتها القانونية، مدعومة بتزايد الأصوات العالمية المطالبة بوضع حد لإفلات مجرمي الحرب من العقاب.

أبعاد قانونية وسياسية متشابكة

بموجب النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (نظام روما الأساسي)، فإن الدول الأعضاء ملزمة قانونيًا بالتعاون الكامل مع المحكمة، بما يشمل تنفيذ مذكرات الاعتقال. 

ورغم انسحاب بعض الدول سابقًا – مثل الولايات المتحدة وروسيا – إلا أن المحكمة تحتفظ بولايتها القضائية على الجرائم المرتكبة في أراضي الدول الأعضاء، أو بحق رعايا الدول المنضوية.

ويضع هذا المبدأ الاحتلال الإسرائيلي أمام تحدٍ متزايد، حيث إن استمرار ملاحقة قادته يهدد بتقييد حركتهم الدولية، ويضعهم أمام خطر الاعتقال إذا سافروا إلى دول ملتزمة بتنفيذ قرارات المحكمة. 

كما يعزز المسار القانوني الدولي من عزلة “إسرائيل” الدبلوماسية، في وقت تتسع فيه رقعة الإدانات الدولية لجرائمها، خصوصًا بعد المجازر المتكررة في غزة خلال الأشهر الماضية.

نهاية الحصانة؟

إجمالًا، تكشف هذه التطورات عن بداية تآكل الحصانة التي تمتع بها قادة الاحتلال لعقود، مستفيدين من دعم غربي غير مشروط.

ومع أن الطريق نحو محاسبتهم ما يزال طويلاً وشائكًا، فإن استصدار مذكرات اعتقال سرية ضدهم يمثل قفزة نوعية في مسار العدالة الدولية، ورسالة واضحة بأن جرائم الحرب لا تسقط بالتقادم، ولا تحمي منها قوة عسكرية أو تحالفات سياسية.

ووسط هذه المتغيرات، تبقى أعين العالم متجهة نحو لاهاي، تترقب اللحظة التي تُرفع فيها السرية عن أوامر الاعتقال، لتتحول أوراق المحكمة إلى كابوس يطارد قادة الاحتلال في كل ركن من أركان العالم.