في خطوة أثارت موجة غضب واستياء عارم في الأوساط الحقوقية والإعلامية السورية، واصلت قناة “المشهد” الإماراتية، المرتبطة بشكل مباشر بأجهزة النظام في أبوظبي، مسارها في التطبيع الإعلامي مع رموز القتل والاستبداد في سوريا، وذلك باستضافتها مؤخرًا لأحد أبرز قادة “فلول الأسد” في الساحل السوري، المدعو محمد جابر، المتهم بارتكاب جرائم حرب ضد المدنيين والعسكريين على حد سواء.

من “منبر الدراما الموجهة” إلى تبييض صفحات الدماء

قناة “المشهد”، التي ظهرت في المشهد الإعلامي كقناة “ثقافية اجتماعية”، سرعان ما كشفت عن وجهها الحقيقي كذراع دعائية لأنظمة القمع والاستبداد في المنطقة، وفي مقدمتها نظام الأسد. 

ولطالما خصصت القناة مساحاتها الإعلامية للممثلين الموالين للنظام السوري البائد الذين لا يترددون في تبرير المجازر وشيطنة الثورة السورية، وتقديم روايات ملفقة تستفز مشاعر ذوي الضحايا وتعيد إنتاج خطاب الكراهية الطائفي.

لكن التطور الأخطر، الذي يمثّل تجاوزًا خطيرًا لكل ما يُعدّ جريمة صحفية، تمثّل في استضافة القناة لمحمد جابر، أحد أبرز رموز انقلاب الفلول في الساحل السوري، والمتورط بإشراف مباشر على ذبح مئات المدنيين السوريين لمجرد امتلاكهم “لوحة سيارة” مخالفة لهويتهم الطائفية أو الجغرافية، إضافة إلى ارتكابه مجازر بحق قوات الأمن العام السوري بلغت ضحاياها نحو 300 عنصر.

القناة لم تكتفِ بمنح هذا “المجرم” مساحة كاملة لعرض تبريراته الباردة والمخزية، بل قدّمت له مرافقة إعلامية تمثلت في المدعو رامي عبد الرحمن، المعروف بدوره المريب كواجهة “حقوقية” تدّعي الدفاع عن المدنيين بينما يقدّم خدمات جليلة لتبييض صفحة القتلة تحت غطاء رصد الانتهاكات.

رامي عبد الرحمن.. “محامي الشيطان” في خدمة القتلة

حلقة “المشهد” الأخيرة تجاوزت كل معايير العمل الصحفي المهني، حين منحت جابر فرصة للظهور كبطل ومجاهد، وسمحت له بالإشادة المتكررة بـ”مدعي حقوق الإنسان” رامي عبد الرحمن، الذي وصفه بأكثر من عشر مرات بـ”المجاهد” و”صاحب الضمير الحي”، في مشهد عبثي يكشف حجم التواطؤ بين آلة الإعلام الإماراتية ومجموعة من الفلول المتسترين بعباءة “المعارضة” أو “الحقوق”.

ما فعله رامي عبد الرحمن في هذه الحلقة يمثل انتهاكًا صارخًا لكل المواثيق الحقوقية والإعلامية؛ فبدلاً من مساءلة الجاني، أو طرح الأسئلة حول الجرائم التي وُثقت ضده، اختار لعب دور المحامي والمدافع عنه، في تكرارٍ مشين لدوره في طمس الحقيقة والوقوف في صف من تلطخت أيديهم بدماء السوريين.

هذه الحلقة ليست مجرد سقطة مهنية، بل جريمة إعلامية متكاملة الأركان، تتحمل مسؤوليتها القناة الإماراتية ومن يعمل فيها، خاصة أولئك الصحفيين السوريين الذين اختاروا الارتزاق في بلاط القتلة بدلاً من الاصطفاف مع دماء شعبهم ومأساته.

الإعلام الإماراتي.. الوجه الآخر للثورة المضادة

لم تكن قناة “المشهد” سوى واحدة من عدة منابر تتبع للنظام الإعلامي الإماراتي، الذي يتبنّى بوضوح أجندة الثورة المضادة في العالم العربي. 

من “سكاي نيوز عربية” إلى “العين الإخبارية” و”الشرق”، تعمل هذه القنوات على إعادة تأهيل المجرمين وترويج السرديات الرسمية للأنظمة القمعية، وخصوصًا نظام الأسد البائد.

لكن “المشهد” تجاوزت مؤخرًا حتى “سكاي نيوز” في نهجها السافر؛ فبينما كانت “سكاي” تلمّع صور بعض الشخصيات السياسية أو الأمنية التابعة للنظام، انتقلت “المشهد” إلى مستوى أكثر انحدارًا، عبر استضافة مجرمي حرب حقيقيين، ومنحهم منصة لتبرير جرائمهم.

المثير للاشمئزاز أن هذه القناة تتلقى تمويلاً ضخمًا من حكومة أبوظبي، وتعمل تحت إشراف مباشر من مستشارين أمنيين، ما يؤكد أنها ليست مشروعًا إعلاميًا مهنيًا، بل أداة استخباراتية تهدف لإعادة إنتاج خطاب “الفلول” في صورة مقبولة إعلاميًا، تمهيدًا لفرضهم مجددًا على المشهد السوري كخيار وحيد.

وصمة عار وضرورة للمحاسبة

استمرار قناة “المشهد” في هذا المسار يُعد تحديًا صريحًا لكل منظمات حقوق الإنسان، وانتهاكًا صريحًا للمادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تكفل حرية التعبير المشروطة بعدم التحريض على العنف أو تبرير الجرائم.

كما أنه يتناقض مع المواثيق المهنية للصحافة، مثل ميثاق الشرف الصحفي الدولي، وميثاق أخلاقيات العمل الإعلامي الذي يؤكد على التزام الصحفي بالحقيقة، ورفض استخدام المنصات الإعلامية للدفاع عن المجرمين.

إننا أمام إعلام يتجاوز التلاعب بالمعلومة، إلى التورط المباشر في تزوير الوعي وتبرير الإبادة، وهو ما يستوجب تحركًا واسعًا من النقابات الصحفية والمنظمات الحقوقية، ليس فقط لإدانة القناة، بل لملاحقة كل من يعمل بها، أو يسهم في إنتاج هذا الخطاب السام.

كما ينبغي على السلطات السورية الحرة، وكافة الجهات الثورية، أن تتخذ قرارًا واضحًا بمنع هذه القناة من العمل على الأراضي السورية المحررة، واعتبارها ناطقًا رسميًا باسم الفلول، ومجرمي الحرب.

فـ”المشهد” اليوم لم تعد مجرد قناة، بل منصة لاغتيال الحقيقة، وتبييض السكاكين، في مشهد مأساوي يختزل كيف يمكن للإعلام أن يتحول من مرآة للواقع، إلى سكين جديدة في جسد الوطن.

اقرأ أيضًا : “رقص على الحدود”.. حين يتحول التضامن إلى دعاية لنظام السيسي