نشرت الكاتبة الإسرائيلية سمادار بيري تقريرًا في صحيفة إسرائيلية أعربت فيه عن دهشتها وسخريتها من غياب أي محتوى متعلق بفلسطين أو الاحتلال الإسرائيلي في المسلسلات الرمضانية لهذا العام، وهو ما اعتبرته تغيرًا غير مسبوق عن المواسم السابقة.
الكاتبة، التي راجعت محتوى جميع المسلسلات الرمضانية الجديدة التي ستُعرض خلال الشهر الفضيل، أكدت أنه “للمرة الأولى منذ سنوات، لم أجد أي مسلسل يتناول إسرائيل، لا مشاهد عن فظائع الحرب، ولا ذكر – حتى الآن – لغزة، ولا حتى تلك الدراما المعتادة عن الجواسيس والصراع مع العدو الصهيوني”، متسائلة عما إذا كان ذلك مقصودًا أم أنه محض صدفة.
هذه الملاحظة تثير تساؤلات جدية حول الخطاب الإعلامي في العالم العربي، وحول مدى تأثير التطبيع مع إسرائيل في إعادة تشكيل السرديات الفنية والإعلامية، خاصة وأن التقرير الإسرائيلي، وإن كان يعبر عن دهشة كاتبته، إلا أنه يعكس توجهًا واضحًا لإبراز تراجع الاهتمام الشعبي والإعلامي العربي بالقضية الفلسطينية، وكأن المطلوب من الدراما أن تنسى ما يحدث في غزة، وتتجاهل الجرائم التي تُرتكب بحق الأبرياء يوميًا.
هذه ليست مجرد ملاحظة بريئة من كاتبة إسرائيلية، بل هي جزء من خطاب متكامل يسعى لإعادة رسم ملامح الاهتمامات العامة في العالم العربي، ودفعها بعيدًا عن قضايا الصراع والمقاومة.
السؤال المطروح هنا: هل نحن أمام سياسة إعلامية مقصودة تهدف إلى تحييد القضية الفلسطينية عن الوعي الجماهيري؟ أم أن الأمر مجرد انعكاس للأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تعاني منها أغلب الدول العربية، ما دفعها إلى التركيز على الإنتاجات الدرامية التجارية بعيدًا عن المواضيع السياسية؟
وبغض النظر عن الأسباب، فإن النتيجة واحدة: غياب غزة عن الشاشة الرمضانية هو انتصار دعائي لإسرائيل، وهزيمة إعلامية للضمير العربي. فحين تصبح القضايا المصيرية مجرد “خيار” في الإنتاج الدرامي، وحين يُستبدل الحديث عن الاحتلال والجرائم الصهيونية بمحتوى سطحي لا يعكس واقع الأمة، فإن ذلك يشكل خطوة خطيرة نحو التكيف مع واقع الاحتلال، وتقبل التطبيع الإعلامي والفني كأمر عادي.
هذا الغياب ليس مجرد صدفة، بل هو دليل على تغير الأولويات في الإعلام العربي، وفي ظل استمرار هذه الديناميكية، فإن الخطر الأكبر هو أن تتحول القضية الفلسطينية إلى مجرد ملف مهمل، يتم استحضاره فقط عند الضرورة، بدلاً من أن تبقى في صدارة المشهد الثقافي والإعلامي العربي، كما يجب أن تكون.