في تصريحات أثارت جدلًا وغضبًا واسعين، أعلن وزير الحرب الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، أن قطاع غزة “سوف يصبح أصغر وأكثر عزلة”، في إشارة واضحة إلى استمرار الاحتلال الإسرائيلي في سياسة التهجير القسري وإعادة رسم خريطة القطاع بالقوة العسكرية. كاتس لم يخفِ أهداف الاحتلال، بل قدم تفاصيل دقيقة عن العمليات الجارية، معلنًا السيطرة على محور موراغ الذي يشطر القطاع ويقوّض تماسكه الجغرافي، مؤكدًا أن ما يقارب 40% من أراضي غزة أصبحت تخضع فعليًا لسيطرة إسرائيلية مباشرة أو ضمن ما يسمى بـ”المناطق الأمنية”.
هذه التصريحات التي تزامنت مع استمرار الهجمات الواسعة على رفح وخان يونس وجباليا، تكشف النوايا الحقيقية خلف العملية العسكرية: اقتطاع أجزاء واسعة من القطاع، وفرض تهجير جماعي، وتدمير البنية السكانية والمؤسسية لغزة، وليس فقط الضغط على حركة حماس كما يدّعي كاتس.
الاحتلال يُقسّم غزة: توسع عسكري وتهجير قسري
يسيطر الجيش الإسرائيلي الآن على محور موراغ، الذي يمتد بطول 12 كيلومترًا من الشرق إلى الغرب، قاطعًا الطريق بين خان يونس ورفح. هذا المحور لا يُعد فقط إنجازًا عسكريًا، بل خطوة استراتيجية تهدف إلى تفتيت قطاع غزة إلى كانتونات معزولة، وتجريد الفلسطينيين من قدرتهم على التنقل أو التواصل داخل القطاع المحاصر.
وبحسب تصريحات كاتس، فإن هذه السيطرة جزء من خطة أوسع تشمل:
- توسيع المنطقة الأمنية على طول الحدود الشمالية.
- الضغط المتواصل على حماس عبر العمل العسكري والاستخباراتي.
- إجبار مئات الآلاف من السكان على النزوح بفعل القصف وتدمير البنى التحتية.
وما لم يقله كاتس، لكن تثبته الوقائع الميدانية، هو أن هذه الخطة تترافق مع عمليات تطهير عرقي صامت، عبر تدمير الأحياء السكنية كما حدث في مخيم الشاطئ وجباليا، واستهداف المدارس والمستشفيات ومراكز الإيواء التابعة للأونروا، ما يدفع المدنيين للفرار قسرًا.
الوضع الإنساني في غزة: جريمة إبادة تحت ستار “الأمن”
منذ استئناف العدوان الإسرائيلي على غزة مطلع أبريل، تكشف الصور والتقارير الميدانية عن مستوى مروّع من الانتهاكات الإنسانية:
- تدمير مستشفيات مثل المعمداني والشفاء، ما يجعل الجرحى والمرضى دون رعاية.
- استهداف مدارس تؤوي نازحين، مثلما حدث في رفح ودير البلح.
- قطع المساعدات ومصادرة الشاحنات، ومنع دخول الوقود والغذاء.
- استخدام أسلحة محرّمة دوليًا، وتوثيق حالات إعدامات ميدانية واعتقال الأطفال.
- استهداف البنية التحتية للحياة، من الكهرباء إلى المياه إلى الاتصالات.
كل ذلك يحدث في ظل غياب المساءلة الدولية، وصمت الدول التي تواصل دعمها العسكري والسياسي للاحتلال، وعلى رأسها الولايات المتحدة.
وفي حين يزعم كاتس أن الجيش يسبق عملياته البرية بإجلاء السكان وتدمير “الأهداف الخطرة”، تشير الوقائع إلى أن ما يجري هو تدمير شامل للمناطق المدنية، وإبادة جماعية للمدنيين، لا سيما مع ازدياد عدد القتلى من النساء والأطفال وارتفاع معدلات النزوح إلى أرقام غير مسبوقة منذ النكبة.
الهدف الحقيقي: فرض واقع جديد بالقوة
رغم الخطاب الظاهري الذي يربط التصعيد بمحاولة تحرير الأسرى الإسرائيليين، فإن تصريحات كاتس تؤكد وجود مخطط احتلالي أوسع، يستهدف:
- تغيير الخارطة الديمغرافية لغزة.
- تحقيق “مناطق أمنية” دائمة تفصل القطاع إلى جيوب.
- خلق واقع جديد يمنع أي وجود فلسطيني موحد أو مقاوم.
- تعقيد أي حلول سياسية قادمة من خلال فرض أمر واقع بالقوة.
وهذه ليست مجرد تهديدات عابرة، بل جزء من سياسة إسرائيلية ممنهجة لتصفية القضية الفلسطينية تدريجيًا، وتهجير السكان من أراضيهم ضمن ما يشبه نموذجًا جديدًا من “الترانسفير”.
الصمود الفلسطيني ومأزق الاحتلال
رغم كل هذا الدمار، لم تفلح الآلة العسكرية الإسرائيلية في تحقيق أهدافها. فالمقاومة لا تزال تنفّذ عمليات نوعية، والخسائر بين صفوف الجيش في تزايد، والمعنويات في الداخل الإسرائيلي في انحدار. وفي المقابل، يصمد الفلسطينيون رغم الجوع والنزوح والدمار.
بل إن تصريحات كاتس ذاتها، حين يكرر فيها “الضغط على حماس للعودة لخطة تبادل”، تكشف أن الاحتلال يبحث عن إنجاز وهمي لتبرير استمرار الحرب، لكنه لم يحصل عليه.
خلاصة وتحذير
تصريحات كاتس تمثل تحذيرًا صريحًا للعالم: إسرائيل لا تسعى إلى الأمن، بل إلى تقليص غزة وسحق سكانها بالقوة. وبدلًا من أن تكون الدعوة لإطلاق الأسرى مدخلًا لحل سياسي، يستخدمها الاحتلال كغطاء لتبرير مجازر وحصار شامل.
إن ما يجري في غزة أبعد من حرب وأقرب إلى عملية إبادة جماعية منظمة، يتم فيها استهداف السكان والهوية والمكان معًا.
إذا لم يتحرك المجتمع الدولي، خاصة الدول العربية والإسلامية ومنظمات حقوق الإنسان، فإن القادم قد يكون فصلًا جديدًا من النكبة، بوجه أكثر دموية وصمت أشد فتكًا.