في تطور خطير يلقي الضوء على العلاقة بين التكنولوجيا وخطاب الكراهية، اتهمت منظمة العفو الدولية منصة التواصل الاجتماعي “إكس” (المعروفة سابقًا بتويتر) بلعب دور مركزي في تسهيل نشر روايات خاطئة ومضللة ساهمت في تصاعد العنف العنصري ضد المسلمين والمهاجرين في المملكة المتحدة، خاصة عقب جريمة القتل المروعة التي وقعت في بلدة ساوثبورت أواخر يوليو/تموز 2024.
وقالت المنظمة الحقوقية، في تقرير نُشر اليوم الأربعاء، إن “إكس” خلقت بيئة خصبة لترويج المحتوى الذي يحض على الكراهية، بسبب تصميم خوارزمياتها الموجهة للتفاعل، وسياستها في منح أولوية الظهور للمنشورات المدفوعة والمثيرة للجدل، على حساب القيم الإنسانية والضوابط القانونية.

خوارزميات التفاعل.. منبر للكراهية بدلًا من الحوار
أوضحت منظمة العفو الدولية أن منصة “إكس” تبنت سياسة خوارزمية تقوم على تعزيز المنشورات التي تثير الجدل، بغض النظر عن محتواها أو صدقيتها. هذه السياسة، بحسب التقرير، تعني أن المنشورات التي تحوي خطاب كراهية أو معلومات مضللة تُروَّج على نطاق واسع، خاصة إذا حققت تفاعلاً عاليًا.
وكان لهذا النظام تأثير بالغ الخطورة عقب جريمة ساوثبورت، حين قتل شاب يبلغ من العمر 17 عامًا ثلاث فتيات بريئات، ما أدى إلى موجة من الذعر والغضب الشعبي. وخلال ساعات فقط من الحادثة، انتشرت مزاعم خاطئة على المنصة تفيد بأن الجاني مسلم أو طالب لجوء. ورغم عدم وجود أي أدلة تدعم هذه الروايات، فإن خوارزميات “إكس” دفعت بها إلى صدارة صفحة “من أجلك” لملايين المستخدمين، ما أجج مشاعر الكراهية وساهم في ترسيخ صورة نمطية زائفة وخطيرة.
التقرير لفت أيضًا إلى أن “إكس” لم تبادر لإزالة هذه المنشورات الضارة أو تحذير المستخدمين منها إلا بعد تلقي عدد كبير من البلاغات، ما يعني أن النظام الأساسي للمنصة يعمل لصالح خطاب التحريض لا ضده، وهو ما وصفته العفو الدولية بأنه “إهمال جسيم مقصود” يعكس “خبثًا مؤسسًا”.
الحسابات المدفوعة واليمين المتطرف.. تسليح الرأي العام ضد المهاجرين
من بين النقاط الأكثر إثارة للقلق في التقرير، هو ما كشفه عن منح “إكس” أولوية في الظهور لمنشورات الحسابات المدفوعة “بريميوم”، وهي ميزة سمحت بتضخيم الروايات الكاذبة بشكل غير متكافئ. من ضمن هذه الحسابات، برز حساب “يوروب إنفيجن”، المعروف بعدائه للمسلمين والمهاجرين، والذي نشر منشورًا مضللًا عن الحادثة شاهده أكثر من 4 ملايين مستخدم.
أما الأسوأ، فقد تمثل في عودة حسابات كانت محظورة سابقًا بسبب خطاب الكراهية، مثل حساب الناشط اليميني المتطرف تومي روبنسون. التقرير أشار إلى أن روبنسون استغل الحادثة في التحريض العلني على المسلمين، ونشر سلسلة من المنشورات التحريضية حققت أكثر من 580 مليون مشاهدة خلال أسبوعين فقط من الهجوم، في غياب تام لأي رقابة من إدارة المنصة.
بل إن إيلون ماسك، مالك “إكس”، دخل شخصيًا على الخط، بتفاعل واضح مع هذه المنشورات، من خلال تعليق مثير للجدل قال فيه: “الحرب الأهلية حتمية”، في دلالة ضمنية على أن التوترات العرقية والدينية مقبولة أو حتى متوقعة. هذا الموقف، بحسب العفو الدولية، لا يمثل فقط فشلًا في تحمل المسؤولية، بل يعكس تورطًا مباشرًا في تعزيز الكراهية.
صمت المنصة وتواطؤها.. الحكومة في مأزق
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر لم يقف صامتًا، بل طالب علنًا بحماية المسلمين ومجتمعات اللاجئين والآسيويين والسود، بعد تزايد الاعتداءات على المساجد والمراكز المجتمعية. لكن الرد الصادم جاء من ماسك نفسه، الذي كتب ردًا مقتضبًا عبر حسابه قال فيه: “على الحكومة أن تقلق بشأن جميع المجتمعات”، في تجاهل متعمد للأزمة التي يعاني منها المسلمون جراء الحملات الإعلامية الممنهجة ضدهم.
وقالت العفو الدولية إنها وجهت رسالة رسمية إلى إدارة “إكس” بتاريخ 18 يوليو/تموز 2025 لعرض نتائج التقرير ومنح الشركة فرصة للرد، لكنها لم تتلق أي رد حتى لحظة النشر، وهو ما اعتبرته المنظمة تأكيدًا إضافيًا على غياب الشفافية والتجاهل المتعمد للمعايير الأخلاقية والحقوقية.
التقرير لم يقتصر على الإدانة، بل طالب بضرورة تدخل الحكومة البريطانية والاتحاد الأوروبي لوضع قيود قانونية صارمة على المنصات الرقمية، وإجبارها على تعديل خوارزمياتها لحماية المجتمعات الضعيفة من خطاب التحريض والكراهية.
بين التكنولوجيا والعنصرية.. من يوقف الانفلات؟
ما حدث بعد جريمة ساوثبورت، كما رصدته منظمة العفو، ليس حالة فردية، بل جزء من ظاهرة متكررة تؤكد أن “إكس” تحولت من منصة للتعبير إلى ساحة خصبة لنشر العنصرية والتحريض، خصوصًا في ظل إدارة تغض الطرف – أو تتعمد – عن انتشار هذا النوع من الخطاب.
ففي زمن تُقاد فيه المجتمعات بالتغريدات و”الترندات”، تصبح مسؤولية المنصات الرقمية مضاعفة، لا سيما حين يكون ضحايا الكراهية بشرًا حقيقيين، يدفعون ثمن الأخبار الكاذبة بأرواحهم ومجتمعاتهم.
ويبقى السؤال مفتوحًا: إلى متى سيظل إيلون ماسك يستخدم “حرية التعبير” ذريعةً لتبرير تغوّل العنصرية وتطبيع خطاب الكراهية؟ وهل ستتدخل الحكومات والمؤسسات الحقوقية قبل أن تتحول بريطانيا إلى مختبر عالمي لتجريب الكراهية الرقمية؟
اقرأ أيضًا : “جثامين مختفية وأسر مغيبة”.. تقرير حقوقي يفضح جرائم نظام السيسي بحق المعتقلين