سلط تقرير حديث نشرته شبكة «بلومبيرغ» الأمريكية الضوء على حالة التكيف القسري التي يمارسها المجتمع والاقتصاد في دولة الإمارات العربية المتحدة، للتعامل مع واقع جديد ومعقد فرضته الصراعات الإقليمية المتصاعدة والاضطرابات المستمرة في المعابر البحرية الحيوية. هذا الواقع الذي وصفه مستشارون سياسيون واقتصاديون رفيعو المستوى بحالة “اللا حرب واللا سلم”، وضع النموذج الاقتصادي الإماراتي أمام اختبار قاسٍ يكشف عن حدود هشاشته.
ورغم المحاولات الرسمية الحثيثة للترويج لصمود الأنشطة التجارية ونمو أعداد المسجلين في المدارس الخاصة كدليل على استقرار بيئة الأعمال، إلا أن المؤشرات الرقمية والقطاعية العميقة تظهر صورة مغايرة تماماً، وتكشف عن أزمة صامتة تضرب القطاعات الحيوية التي طالما شكلت العصب الرئيسي لاقتصاد البلاد.
السياحة والطيران: تراجع حاد يعري الواجهة البراقة
أظهرت البيانات التي أوردتها «بلومبيرغ» أن التبعات الاقتصادية للاستقطاب الحربي وتصعيد الاضطرابات في المنطقة، وتحديداً في مضيق هرمز والبحر الأحمر، لم تعد مجرد تداعيات مؤقتة يمكن تجاوزها. فقد هبطت معدلات إشغال الفنادق في إمارة دبي بشكل ملحوظ لتصل إلى نحو 64%، مقارنة بـ 76% في العام الماضي. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل اضطر القطاع الفندقي لخفض أسعار الغرف بنسبة 10%، بالتزامن مع تقديم حوافز مجانية غير مسبوقة، مثل تحمل تكاليف تأشيرات الدخول وتوفير التأمين الطبي، في محاولة يائسة لجذب السائحين الذين باتوا يخشون التوجه إلى منطقة محاطة بالتوترات.
على صعيد متصل، امتدت التأثيرات السلبية لتضرب قطاع الطيران بشدة. فقد سجلت حركة مطار دبي الدولي -الذي يُعد أحد أكثر مطارات العالم ازدحاماً- تراجعاً قاسياً بنحو الثلث خلال الأشهر الستة الأولى من العام. ورغم توقعات إدارة المطار بتعافي الطلب في وقت لاحق من عام 2026، إلا أنها أُجبرت على إرجاء هدفها الاستراتيجي المتمثل في الوصول إلى 100 مليون مسافر سنوياً، مما يعكس حالة من عدم اليقين تجاه المستقبل القريب.
أسواق دبي وسلاسل الإمداد: المستهلك يدفع الفاتورة
اقتصادياً، كشفت تصريحات قيادات بارزة في قطاع التجزئة -مثل مجموعة “ماجد الفطيم”- عن وجود اضطرابات واسعة النطاق في المنطقة الحرة وميناء جبل علي، الذي يُعد الشريان التجاري الأبرز ويمثل وحده نحو خُمس الناتج المحلي الإجمالي لدبي. هذه الاختناقات اللوجستية أدت إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، ما دفع الشركات مضطرةً إلى تمرير الزيادات في أسعار الوقود والواردات مباشرة إلى المستهلك النهائي.
ونتيجة لذلك، شهدت الأسواق المحلية تراجعاً ملحوظاً في القدرة الشرائية، وتحديداً في الإقبال على شراء السلع المعمرة. إن هذه المؤشرات تبرز وتيرة التأثر البالغ لاقتصاد يعتمد في أساسه على حركة “الترانزيت” وإعادة التصدير واستقرار خطوط النقل البحري، وتفند بشكل قاطع الرواية الرسمية القائلة بأن الدولة محصنة وبعيدة عن التأثيرات المباشرة للاضطرابات الإقليمية.
استراتيجية “صفر هرمز”: الهروب إلى الأمام
في مواجهة هذه الاستحقاقات المعقدة، أوضح التقرير أن السلطات الإماراتية تحاول التغطية على هذه الاختناقات الهيكلية عبر الهروب إلى الأمام. ويتمثل ذلك في ضخ استثمارات ضخمة من صناديق أبوظبي السيادية وطرح خطط عاجلة بمليارات الدولارات لتطوير مسارات تصدير برية وبحرية بديلة، تحت مسمى استراتيجية “صفر هرمز”.
هذه التحركات المكلفة تعكس في جوهرها حالة من القلق العميق لدى دوائر صنع القرار من استمرار انكشاف الممرات المائية الحيوية. كما تواجه الشركات الكبرى تحدياً إضافياً يتمثل في اضطرارها إلى تعديل وزيادة الحوافز المالية لاستقطاب الكفاءات الأجنبية والحفاظ عليها، في ظل تنامي المخاوف الأمنية وتراجع جاذبية المنطقة للعيش والاستقرار.
عجز “الترويج الإعلامي” وفاتورة التدخلات الخارجية
يركز التحليل الوارد في «بلومبيرغ» على استراتيجية السلطات المتمثلة في الإبقاء على الواجهة الاستهلاكية البراقة، من خلال تسليط الضوء الإعلامي على اكتظاظ الحدائق المائية أو افتتاح فروع جديدة لمدارس دولية ذات رسوم دراسية باهظة. غير أن هذا “الصمود الظاهري” يظل محصوراً وموجهاً لشريحة ضيقة من طبقات المتمولين وكبار موظفي الشركات الأجنبية، بينما تعاني قطاعات الخدمات اللوجستية وتجارة التجزئة المتوسطة وصغار المستثمرين من انكشاف متزايد يهدد استمراريتهم.
في المحصلة، إن سياسة “العمل كالمعتاد” وتجاهل المخاطر، تؤكد أن أبوظبي تراهن بشكل كبير على الحلول الإعلامية والتسويقية لامتصاص الصدمات. لكن هذه المقاربة تتجاهل حقيقة جيوسياسية واقتصادية ثابتة؛ وهي أن سلامة مناخ الاستثمار وأمن الطاقة لا ينفصلان أبداً عن السياسات الخارجية. فمحاولة تجاوز الأزمات الإقليمية بالمال أو بالشراكات والتطبيع مع الاحتلال، لم تمنع استمرار تآكل الاستقرار الاقتصادي للنموذج الإماراتي، وهو تآكل يرتبط ارتباطاً وثيقاً بعدم التوقف عن مغامرات التدخل في الشؤون العربية، ودعم الميليشيات المسلحة في مناطق الصراع المفتوحة مثل السودان، ليبيا، واليمن.