تسارعت وتيرة الانهيار المالي الذي يعيشه عدد من أمراء آل سعود في أوروبا، في صورة باتت تعكس تحولات أعمق داخل الأسرة الحاكمة، وتحديداً تحت حكم محمد بن سلمان، الذي لا يكتفي بإعادة تشكيل التوازنات السياسية الداخلية، بل يبعث برسائل ضمنية مفادها أن زمن الحماية المطلقة التي كان يتمتع بها بعض أبناء عمومته قد انتهى طالما ولائهم لأحد غيره. الأمير فهد بن سلطان، ابن وزير الدفاع الراحل سلطان بن عبد العزيز، وحاكم منطقة تبوك الحالي، يواجه سلسلة متواصلة من الهزائم القانونية والإفلاس المالي في عدد من الدول الأوروبية، بعد تخلفه عن سداد قروض فاخرة حصل عليها لشراء يخت عملاق وممتلكات عقارية مترفة، حيث بات اسمه مرتبطًا ليس بالبذخ فقط، بل بالعجز عن الوفاء بالديون، والتخلي عنه من قبل الدولة التي يمثلها.

ما جرى خلال العامين الأخيرين لا يمكن فصله عن السياسة الجديدة التي يتبعها محمد بن سلمان، والتي تقوم على تصفية الإرث المالي والسياسي لأبناء الجناح القديم في العائلة الحاكمة، خصوصًا أولئك المرتبطين بسلطان بن عبد العزيز، الذي مثّل لفترة طويلة أحد أركان الدولة العميقة في المملكة. سقوط فهد بن سلطان في قبضة القضاء الأوروبي، بدءًا من مصادرة اليخت الفاخر “سارافسا”، مرورًا بشاليه فاخر في ميجيف، وصولاً إلى اقتحام قصره في بريطانيا ومصادرة أثاثه وترك ملعب الغولف التابع له ينهار بفعل الإهمال، يعكس بوضوح أن الدولة السعودية لم تحرك ساكنًا لحمايته أو لحل أزمته، بل يظهر أن الرجل تُرك ليواجه مصيره منفردًا، دون غطاء سياسي أو مالي، في مؤشر واضح على أنه لم يعد محسوبًا على الحلقة المقربة من ولي العهد.

التوقيت المتزامن بين انهيار فهد بن سلطان المالي وتصريحات محافظ صندوق الاستثمارات العامة السعودي ياسر الرميان، يكشف كثيرًا من ملامح هذا التحول. الرميان، الذي يُعد الذراع الاقتصادية الأقوى لمحمد بن سلمان، خرج بتصريح رسمي قبل أيام يتحدث فيه عن “الخداع القانوني” الذي تعرّض له الصندوق السيادي من قبل بنك كريدي سويس قبل الاستحواذ عليه من طرف بنك UBS، حيث تم، بحسب الرميان، تعديل القوانين المالية في اللحظة الأخيرة من أجل تهميش أموال الصندوق السعودي والاستيلاء على جزء منها، وهو تصريح نادر يعكس شعورًا بالخديعة، لكنه أيضًا يشير إلى أن العلاقات بين السعودية والبنوك الأوروبية لم تعد قائمة على المحاباة والصفقات السياسية كما في السابق، بل أصبحت تُدار بميزان القوة والمصالح المجردة.

هذا الانقلاب في طبيعة العلاقة بين السعودية ومراكز النفوذ المالي الغربي يعيدنا إلى فهم كيف تغيّرت صورة الأمير السعودي في العواصم الأوروبية. من شخصية محصّنة، تملك القدرة على شراء كل شيء، إلى متهم مطارد قانونيًا بتهم التخلف عن السداد، بل وتُصادر ممتلكاته على مرأى من العالم، دون أن تتدخل الدولة لحمايته. لم تكن هذه الصورة ممكنة في عهد الملك عبد الله أو الملك فهد، إذ كانت السفارات السعودية تتدخل فورًا، وكانت التسويات تُعقد خلف الأبواب المغلقة. أما اليوم، فيبدو أن محمد بن سلمان يتعمّد أن يترك بعض أبناء عمومته يسقطون، إمّا لإعادة تشكيل ميزان الولاءات داخل الأسرة، أو لمعاقبة من يعتبرهم عبئًا سياسيًا وماليًا على مشروعه الذي يسعى لتقديمه كقائد “حداثي صارم” لا يتسامح مع الفوضى والفساد، حتى لو كان مصدره من داخل البيت الحاكم.

القضية لا تتعلق فقط بالأمير فهد بن سلطان، إذ إن شقيقه الأمير خالد بن سلطان، نائب وزير الدفاع الأسبق، يواجه هو الآخر أزمة مشابهة، مع عرض شقته الفاخرة في لندن، التي تتجاوز مساحتها 2600 متر مربع، للبيع بسعر خرافي يصل إلى 165 مليون يورو، ما يشير إلى تصفية واضحة لممتلكات الأسرة في الخارج، سواء طوعًا أو قسرًا. تسلسل الأحداث من رفع القضايا، إلى الأحكام الغيابية، إلى المصادرة العلنية، يرسم ملامح مرحلة جديدة يمر بها الأمراء السعوديون الذين اعتادوا الإنفاق من المال العام دون رقيب، واستغلال اسم الدولة في صفقاتهم الخاصة، أما الآن، فيبدو أن محمد بن سلمان، المشغول ببناء صورته كزعيم عصري، قرر أن يُبقي على دائرة محددة من الولاء، وأن يرمي ببقية أفراد العائلة خارج حساباته، حتى لو انتهى بهم الحال في قوائم الإفلاس.

كل ما يجري لا علاقة له بمكافحة الفساد كما تروج له الرواية الرسمية، فالنظام لم يتحرك بدافع النزاهة أو تطبيق القانون، بل نتيجة تضارب المصالح داخل الأسرة الحاكمة ذاتها، حيث لم يُحاسب أحد على نهب المال العام طالما كان داخل الدائرة الضيقة الموالية لمحمد بن سلمان، بينما يُرمى الآخرون خارجها لمصيرهم. فساد العائلة المالكة لا يقتصر على أمراء تخلّفوا عن سداد ديون شخصية، بل يمتد إلى رأس الهرم ذاته، حيث تُدار مئات المليارات من أموال الدولة عبر الصندوق السيادي دون شفافية أو رقابة، وتُعقد صفقات خارجية باسم الدولة تُثري الحاشية وتُفقِر المواطن. ما يحدث اليوم ليس ثورة إصلاح، بل إعادة تقاسم للثروة والسلطة بين أمراء الأمس وأسياد اليوم.