في خطوة تصعيدية جديدة على صعيد ملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين، أعلنت مؤسسة “هند رجب” الحقوقية (HRF) عن تقديم شكوى قانونية رسمية لدى النيابة العامة الهولندية ضد الرائد في سلاح الجو الإسرائيلي، لافي لازاروفيتش، الذي يتواجد حاليًا في الأراضي الهولندية ضمن جولة عالمية تنظمها شركة “سايبر آرك” الإسرائيلية المتخصصة في الأمن السيبراني.

الضابط بوجهين: مدير تقني أم فاعل عسكري؟

ما يثير الاستغراب ويغذي الاشتباه هو أن لازاروفيتش يظهر في هولندا بصفته مديرًا تنفيذيًا في مجال التكنولوجيا، إلا أنه في الواقع ضابط عامل في الجيش الإسرائيلي، وتحديدًا في سلاح الجو، الذي تشير تقارير دولية موثوقة إلى ضلوعه المباشر في حملة القصف الوحشي على قطاع غزة في الآونة الأخيرة، والتي أسفرت عن مقتل أكثر من 36 ألف فلسطيني، بينهم آلاف النساء والأطفال.

بيان المؤسسة أشار إلى أن لازاروفيتش ظهر خلال ذروة القصف الإسرائيلي في فيديو ترويجي لشركة “سايبر آرك”، وهو يرتدي زيه العسكري، ومن داخل مقر “هاكيريا” — المقر العسكري الأهم للجيش الإسرائيلي في تل أبيب.

هذا المشهد، بحسب البيان، لا يمكن قراءته كعمل دعائي محايد، بل كدليل مرئي يؤكد وجوده في مركز القيادة العسكرية خلال إحدى أعنف الحملات الجوية في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

قرائن دامغة وشهادات دولية

لم تستند مؤسسة هند رجب في تحركها إلى الفيديو وحده، بل أرفقت الشكوى بتقارير صادرة عن منظمات حقوقية مرموقة مثل هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية والأمم المتحدة، التي وثّقت تورط سلاح الجو الإسرائيلي في قصف المدارس والمستشفيات والمنازل ومخيمات اللاجئين.

وتشير هذه التقارير إلى أن هذه الهجمات لم تكن عشوائية، بل ممنهجة واستهدفت بنية الحياة المدنية في غزة، من شبكات المياه والكهرباء إلى المرافق الصحية.

وقد نبهت المؤسسة إلى أن مثل هذه الأفعال ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بل وربما إلى الإبادة الجماعية كما تشير التوصيفات القانونية التي تبنتها جهات أممية عدة. وفي هذا السياق، ترى المؤسسة أن لازاروفيتش ليس مجرد موظف تقني، بل فاعل مباشر في منظومة الإجرام العسكري الإسرائيلي.

هولندا.. اختبار أخلاقي وقانوني

وجود لازاروفيتش في هولندا، وهو يحمل مسؤولية محتملة في جرائم دولية، يضع السلطات الهولندية أمام اختبار أخلاقي وقانوني صعب. فمبدأ الولاية القضائية العالمية، المعترف به في القانون الهولندي، يمنح البلاد صلاحية التحقيق ومقاضاة مرتكبي جرائم الحرب حتى لو لم تقع الجرائم على أراضيها.

ودعت مؤسسة هند رجب السلطات الهولندية إلى التحرك فورًا لفتح تحقيق أولي، وتقييد حركة لازاروفيتش قانونيًا عبر منعه من السفر أو توقيفه مؤقتًا لحين البت في الشكوى. 

وأشارت المؤسسة إلى أن السماح لمشتبه فيهم بارتكاب جرائم دولية بالتنقل بحرية والمشاركة في فعاليات عامة داخل أوروبا يبعث برسالة خاطئة، مفادها أن القوانين الدولية لا تُطبق إلا على الضعفاء.

تحرك متصاعد.. لا يشمل لازاروفيتش فقط

ليست هذه المرة الأولى التي تتحرك فيها مؤسسة هند رجب في هذا الاتجاه، فقد سبق أن قدمت في نيسان/ أبريل الماضي طلبًا بإصدار مذكرة اعتقال ضد وزير خارجية الاحتلال، جدعون ساعر، خلال زيارته لبريطانيا. 

آنذاك، أشارت المؤسسة إلى أن ساعر بوصفه عضوًا في المجلس الوزاري المصغر “الكابينت”، كان على علم ورضا بالانتهاكات الواسعة ضد المدنيين الفلسطينيين، ما يجعله شريكًا في المسؤولية.

وتشير تقارير إعلامية إسرائيلية إلى أن المؤسسة تبذل جهودًا متواصلة للتنسيق مع محامين دوليين وهيئات قانونية متعددة لرفع قضايا مماثلة في عدة دول، مما يخلق شبكة ضغط قانونية لا يستهان بها على صناع القرار العسكري والسياسي في تل أبيب.

“الطفلة التي أصبحت مؤسسة”

تحمل المؤسسة اسم الطفلة هند رجب، التي قتلتها الطائرات الإسرائيلية في يناير 2024، بينما كانت تختبئ مع أفراد عائلتها داخل سيارة جنوب غربي مدينة غزة. 

تحولت قصتها إلى رمز للبراءة المهدورة، وجاء تأسيس المؤسسة كصرخة قانونية وإنسانية في وجه نظام يواصل الإفلات من العقاب.

منذ تأسيسها في بروكسل، لم تتوقف المؤسسة عن العمل وفق استراتيجيات قانونية محكمة، تعتمد على توثيق الجرائم، ومخاطبة الجهات القضائية الدولية، وتفعيل مبدأ العدالة العابر للحدود، في وقت تلتزم فيه معظم الحكومات العربية صمتًا مريبًا أمام المجازر اليومية في فلسطين.

في الختام..

بينما يغيب الرد العربي الرسمي عن ساحة الفعل القانوني، تواصل منظمات مثل “هند رجب” خوض معارك العدالة باسم ضحايا لا صوت لهم، مستفيدة من القوانين الدولية التي تمنحها القدرة على الملاحقة أينما وُجد الجناة. والكرة الآن في ملعب القضاء الهولندي، الذي عليه أن يحدد ما إذا كان سيُبقي على سمعته كملاذ للعدالة، أم سيتحول، كما تحذر المؤسسة، إلى ملاذ للجلادين.

اقرأ أيضًا : عباس يصمت والاحتلال يهدم.. 100 منزل في جنين على قائمة الإزالة واقتحامات تتسع بالضفة