في مشهد لافت عكس حضور القضية الفلسطينية في قلب السياسة الأوروبية، قاطع متظاهر يرفع العلم الفلسطيني وزيرة المالية البريطانية ريتشيل ريفز خلال خطابها أمام مؤتمر حزب العمال في مدينة ليفربول.

المشهد لم يكن مجرد اعتراض فردي، بل رسالة قوية بأن أصوات الفلسطينيين وحقوقهم لم تعد قابلة للتهميش أو الاختزال في التصريحات الرسمية، خصوصًا في ظل المجازر المتواصلة في غزة والضفة الغربية.

المشهد داخل قاعة المؤتمر

كانت ريفز تتحدث عن خطط الحكومة لحماية الصناعات البريطانية عندما علت أصوات أحد الحاضرين متهماً إسرائيل باتباع سياسة التجويع المتعمد ضد سكان غزة. المتظاهر رفع العلم الفلسطيني وصرخ بمطالب تنادي بوقف الدعم غير المباشر لجرائم الاحتلال. ورغم محاولة القاعة امتصاص الموقف، إلا أن صدى الاحتجاج كان أقوى من الكلمات المعتادة.

أجابت الوزيرة سريعًا: “نحن نفهم قضيتكم، ونحن نعترف بدولة فلسطينية. لكننا الآن حزب في الحكومة ولسنا حزب احتجاج”. هذه الجملة كشفت بوضوح الفجوة بين لغة المسؤولين الذين يفتخرون بكونهم في السلطة، وبين أصوات الشارع التي ترى أن الاعتراف الشكلي بفلسطين لا يوقف القتل ولا يكسر الحصار.

حزب العمال بين الاعتراف والواقع

منذ وصوله إلى الحكم، حرص حزب العمال على إبراز اعترافه الرسمي بالدولة الفلسطينية باعتباره خطوة تقدمية. غير أن تصريحات ريفز أعادت التذكير بأن هذا الاعتراف ما زال يفتقد الفعل السياسي الجاد. فالحزب، كما قالت الوزيرة، أصبح “حزب سلطة”، أي أنه يسعى للحفاظ على التوازنات الدبلوماسية بدلاً من المواجهة المباشرة مع الاحتلال الإسرائيلي.

لكن المفارقة تكمن في أن خطاب ريفز كان يركز على تحسين أوضاع البريطانيين عبر رفع الحد الأدنى للأجور وتقديم وجبات مدرسية مجانية، بينما كان المتظاهر يذكّرها بأن ملايين الأطفال في غزة يموتون جوعًا نتيجة الحصار الإسرائيلي. هنا يتضح التناقض: حكومة تفتخر بإطعام أطفال بريطانيا بينما تصمت عن تجويع أطفال فلسطين.

الاحتجاجات في الخارج: الشارع لا يصمت

بالتوازي مع ما حدث داخل القاعة، شهدت شوارع ليفربول احتجاجات واسعة مناصرة لفلسطين. أكثر من 60 متظاهرًا اعتُقلوا بدعوى دعم “منظمة إرهابية محظورة”، في إشارة إلى حركة Palestine Action التي تستهدف شركات مرتبطة بتسليح الاحتلال. هذه الاعتقالات تؤكد أن السلطات البريطانية لا تزال تتعامل مع الأصوات المؤيدة لفلسطين كتهديد أمني، في وقت تزداد فيه مشاهد القتل في غزة وضحايا المجاعة بين الأطفال.

المفارقة أن الحكومة التي تتحدث عن الديمقراطية وحرية التعبير، هي ذاتها التي تقمع أي مظاهرة تنتقد الاحتلال الإسرائيلي أو تكشف تواطؤ الغرب معه.

الاعتراف الدولي المتسع بفلسطين

ردود الفعل لم تقف عند حدود بريطانيا. فقد سبقتها وأعقبتها موجة اعترافات دولية بفلسطين: كندا، أستراليا، البرتغال، بلجيكا، فرنسا، ولوكسمبورغ، لتصل حصيلة الدول المعترفة إلى 158 دولة من أصل 193 عضوًا في الأمم المتحدة. هذه الأرقام تعكس عزلة إسرائيل المتزايدة، لكنها في الوقت ذاته تكشف محدودية الاعترافات الرمزية إذا لم تقترن بعقوبات وضغط سياسي حقيقي يوقف الحرب والإبادة.

وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر ذهبت أبعد قليلًا حين قالت إن الاعتراف يجب أن يكون “حافزًا” لسلام عادل ودائم، مشيرة إلى أن الأمم المتحدة تشهد ضغطًا متزايدًا لإنهاء المأساة. لكن هذه التصريحات، رغم أهميتها، تظل أقرب إلى التنفيس الخطابي من أن تكون برنامج عمل.

الأرقام لا تكذب: غزة والضفة في مواجهة الإبادة

ما يجعل الاحتجاجات أكثر شرعية هو الواقع الدموي:

  • في غزة، أكثر من 65,344 شهيدًا و 166,795 مصابًا منذ السابع من أكتوبر 2023، معظمهم من الأطفال والنساء.
  • المجاعة قتلت 442 فلسطينيًا بينهم 147 طفلاً.
  • في الضفة الغربية، قتل الجيش والمستوطنون 1042 فلسطينيًا وأصابوا ما يزيد على 10 آلاف، واعتقلوا أكثر من 19 ألفًا.

هذه الأرقام تكفي لتكشف أن القضية ليست مجرد جدل سياسي أو خلاف دبلوماسي، بل إبادة جماعية موصوفة، تجري بدعم أمريكي وصمت أوروبي، وتواجهها مقاومة الشارع العالمي الذي يرى في فلسطين معيارًا للعدالة.

قراءة تحليلية: السردية الفلسطينية في مواجهة الرواية الإسرائيلية

محاولة ريفز تحويل النقاش من فلسطين إلى إنجازات الحكومة الداخلية تمثل نموذجًا للسردية الغربية السائدة: الاعتراف الرمزي مقابل تبرير العجز. لكن ما يفرض نفسه هو السرد الفلسطيني: لا قيمة لأي خطاب عن العدالة الاجتماعية إذا كان يتجاهل أكبر مأساة إنسانية في العصر الحديث.

المتظاهر الذي رفع العلم الفلسطيني لم يكن مجرد فرد غاضب، بل لسان حال ملايين البريطانيين والأوروبيين الذين باتوا أكثر وعيًا بتواطؤ حكوماتهم. وهذه التحركات، وإن بدت صغيرة، تعكس تحولًا عميقًا في المزاج الشعبي الغربي الذي لم يعد يقبل الرواية الإسرائيلية المهيمنة.

خاتمة: من القاعة إلى الشارع

أثبتت حادثة ليفربول أن القضية الفلسطينية لم تعد محصورة في الشرق الأوسط، بل صارت جزءًا من النقاش الداخلي الأوروبي. الوزيرة ريفز قد تكون واصلت خطابها وسط تصفيق القاعة، لكن صور المتظاهر وعلمه الفلسطيني ستظل أكثر حضورًا في الذاكرة من جملتها عن “نوادي الإفطار المجانية”.

الدرس الأبرز هنا أن الدعم الشعبي لفلسطين يتوسع يومًا بعد يوم، وأن محاولات الحكومات الغربية تقييد هذه الأصوات بالقوانين أو الاعتقالات لن تنجح في إسكاتها. لأن الحقيقة الصارخة على الأرض – دماء الشهداء وصوت الأطفال الجائعين – أقوى من كل خطاب رسمي.

اقرأ أيضًا : الإسرائيليون منبوذون عالميًا.. إيطاليا تستبعد فريقًا إسرائيليًا من سباق دراجات