أثار الإعلامي المقرب من السلطة أحمد موسى موجة من السخرية والانتقادات، بعدما أعلن نجاح رحلة علاجه في ألمانيا، رغم ظهوره سابقًا مدافعًا بحماسة عن مستوى المستشفيات المصرية، ومؤكدًا أن بعضها يتفوق حتى على مستشفيات ألمانيا وإنجلترا.

موسى كتب عقب انتهاء رحلته العلاجية أنه اشتاق إلى مصر و«شعبها العظيم»، ووجّه الشكر إلى أطباء مصريين تابعوا حالته خلال الأشهر الماضية، قبل أن يخص الفريق الطبي الألماني في مدينة بوخوم بالشكر، مؤكدًا أن دوره كان «حاسمًا» في التدخلات الطبية التي احتاج إليها.

وهنا ظهر السؤال الذي لم يحتج إلى مذيع يسأل بالنيابة عن المواطنين: ما دامت مستشفيات مصر أفضل من ألمانيا، فلماذا لم يترك أحمد موسى الأطباء الألمان يستفيدون من التجربة المصرية الرائدة، ويكمل علاجه في المستشفيات التي طالما قدمها للمصريين باعتبارها إنجازًا لا مثيل له؟

الوطن في الاستوديو.. والعلاج في ألمانيا

لم يعترض منتقدو موسى على حقه في تلقي العلاج أينما يشاء، فالصحة ليست مجالًا للشماتة، لكن الاعتراض انصب على التناقض الصارخ بين ما يقوله للمصريين من خلف الشاشة وما يختاره لنفسه عندما يتعلق الأمر بصحته.

فالمواطن الذي يشكو من تدهور المستشفيات الحكومية أو نقص الأدوية يُتهم غالبًا بالمبالغة ونشر الإحباط، أما أحد أبرز أبواق السيسي، فعندما يمرض، لا يختبر بنفسه المنظومة التي ظل يطالب الناس بالثقة فيها، بل يتجه إلى مركز طبي متخصص في ألمانيا.

وتداول مستخدمون تصريحًا سابقًا منسوبًا إليه قال فيه إن مستشفيات مصر أفضل من نظيرتها الألمانية، قبل أن يقارنوه بإعلانه العلاج في بوخوم، معتبرين أن الرحلة قدمت ردًا عمليًا على دعايته أكثر مما قدمته سنوات من النقد.

إشادة طويلة بمصر.. ثم «الدور الحاسم» لألمانيا

حاول موسى في منشوره تجنب الحرج، فبدأ بتوجيه الشكر إلى «قامات الطب في مصر» ووزير الصحة وفريق علاجه الطبيعي، لكنه عاد ليقر بأن الفريق الألماني أدى دورًا حاسمًا ومبهرًا في علاجه.

وبصياغة أبسط: الطب المصري كان «عظيمًا ومبهرًا»، لكن الجزء الذي حسم الحالة احتاج إلى السفر إلى ألمانيا.

وهذا النوع من اللغة أصبح مألوفًا لدى أبواق السلطة؛ يبدأ الكلام بإشادة وطنية طويلة، ثم تأتي الحقيقة في سطر جانبي: العلاج بالخارج، الأبناء يتعلمون بالخارج، والمدخرات تُحمى في الخارج، بينما يُطلب من المواطن أن يصدق أن كل شيء في الداخل «زي الفل».

الديهي يشرح المعجزة الطبية

الإعلامي نشأت الديهي، أحد وجوه الخطاب الإعلامي نفسه، خرج ليطمئن الجمهور على زميله، موضحًا أن موسى تلقى العلاج في مصر، لكن كان هناك «جزء فني» ينبغي استكماله في ألمانيا.

والتعبير نفسه أثار السخرية؛ إذ بدا كأنه محاولة لغوية لإنقاذ الرواية: لم يسافر أحمد موسى إلى ألمانيا لأن المنظومة المصرية ينقصها شيء، بل لأن هناك فقط «جزءًا فنيًا» موجودًا بالمصادفة في بوخوم.

وأكد الديهي أن موسى كان يعمل رغم مرضه، وأن «الهوا عنده مقدس»، قبل أن يعلن تماثله للشفاء واستعداده للعودة إلى برنامجه.

لكن المشكلة ليست في تفسير سبب سفره، بل في أن المواطن العادي الذي يحتاج إلى هذا «الجزء الفني» لا يملك تذكرة إلى ألمانيا، ولا شبكة علاقات مع الوزير، ولا برنامجًا تلفزيونيًا يبرر له التناقض بعد عودته.

أبواق السيسي تعيش خارج نشراتها

تكشف الواقعة فجوة أوسع من حالة أحمد موسى الشخصية. فالإعلاميون الذين يطالبون المصريين بالصبر على تراجع الخدمات، ويصفون كل نقد للمنظومة الصحية بأنه استهداف للدولة، لا يتعاملون مع هذه المنظومة بالطريقة نفسها عندما تمس حياتهم الخاصة.

على الشاشة، المستشفيات المصرية تنافس العالم، والوزراء يحققون المعجزات، والمواطن الذي يشكو «جاحد». لكن خارج الشاشة، تتغير المعايير سريعًا، وتصبح ألمانيا خيارًا منطقيًا، والطبيب الأجنبي «شهيرًا»، ودوره «حاسمًا».

وهكذا يعمل إعلام السيسي: خطاب محلي للاستهلاك الشعبي، وخيارات شخصية لا تثق غالبًا في الخطاب نفسه.

لا شماتة في المرض.. لكن لا حصانة من المحاسبة

من الطبيعي أن يُتمنى لأحمد موسى الشفاء الكامل، ولا ينبغي تحويل مرضه إلى مادة للإهانة الشخصية. لكن مرضه لا يلغي حق الجمهور في مساءلته عن التناقض بين دعايته واختياراته.

فمن حقه أن يعالج نفسه في ألمانيا، لكن ليس من حقه أن يطالب ملايين المصريين بتصديق أن منظومة الصحة بلغت القمة، ثم يغادرها عندما يحتاج إلى تدخل وصفه بنفسه بأنه حاسم.

عاد أحمد موسى من ألمانيا وهو يقول إن مصر وحشته. وربما يكون الأنسب أن يروي لجمهوره، بعد عودته، لماذا كانت ألمانيا ضرورية، بدل أن يعود إلى الاستوديو ليشرح للمصريين مرة أخرى أن مستشفياتهم أفضل من مستشفيات البلد الذي عالجه. فالوطنية عند أبواق السيسي تبدو مثالية أمام الكاميرا، أما عند حجز موعد الطبيب، فلكل مقام مقال.. ولكل مرض تذكرة إلى الخارج.