• في 8 آب/أغسطس 2025 أقرّ الكابينت الأمني خطة نتنياهو لبدء سيطرة مرحلية على مدينة غزة تمهيدًا لاحتلال أوسع، متجاوزًا طرحًا عسكريًا بديلًا أكثر حذرًا. الخطة تُسوَّق بوعود “هزيمة حماس”، “استعادة الأسرى”، وفرض سيطرة أمنية إسرائيلية دائمة يليها تسليم إدارة مدنية لقوى “عربية” غير مُحددة.

  • القرار جاء وسط معارضة من قيادة الجيش؛ أبرزها من رئيس الأركان إيال زامير الذي حذّر من اكتمال احتلال غزة لما يحمله من استنزاف طويل وخطر مباشر على الأسرى.

  • إعلام عبري وغربي تحدّث عن خطة زمنية طويلة لعملية الاستيلاء المرحلية (أشهر عدّة) مع تحذيرٍ من نزوح جديد واسع

 لماذا يعترض الجيش؟ (منطق “الفخّ الاستراتيجي”)

  1. معضلة الأسرى: أي قتال كثيف داخل مناطق يُعتقد وجود أسرى فيها يرفع احتمالات فقدانهم، وهو تحذيرٌ طرحته المؤسسة الأمنية نفسها. حتى وزراء من اليمين أقرّوا بأن التوجّه نحو “الاحتلال الكامل” يعرّض الأسرى للخطر.

     

  2. الاستنزاف البشري واللوجستي: التقديرات الإسرائيلية والإعلام العبري تتحدث عن أشهر من القتال فقط للمرحلة الأولى (غزة سيتي)، واحتمال امتداد عمليات الأنفاق لوقت طويل جدًا؛ شبكة أنفاق تُقدَّر بمئات الأميال تجعل أي “تطهير كامل” مهمة سنوات.

     

  3. عبء الحُكم: احتلال أوسع يعني مسؤولية مباشرة عن ملايين المدنيين تحت القانون الدولي، مع تكاليف أمنية وخدمية وإدارية هائلة، واحتمال تحوّل الاحتلال إلى تمرد حضري مفتوح زمنًا. (استنتاج مدعوم بقراءة RAND وتعقيدات الأنفاق وإعادة الإعمار).

 لماذا يدفع نتنياهو للخطة إذًا؟

  • حسابات سياسية داخلية: القرار جاء رغم انقسام داخلي واسع واحتجاجات لعائلات الأسرى ومعارضة قوى سياسية تصفه بـ“كارثة ستجر كوارث”.

     

  • تعويض فجوة “الإنجاز”: بعد أشهر من الحرب ورغم السيطرة على مساحات كبيرة (تُقدّر رسميًا بنحو %75 من القطاع)، لم يتحقق تفكيك حماس ولا استعادة جميع الأسرى؛ لذا يستدعي نتنياهو مسارًا أكثر حدّة لعرض “تغيير قواعد اللعبة”.

     

  • ورقة “الإدارة العربية”: الطرح بإسناد الإدارة لاحقًا إلى “قوى عربية” يلقى فتورًا ورفضًا معلنين، ما يجعله أقرب إلى غطاء سياسي للخطة لا مسارًا عمليًا واضحًا.

     

 مسار العمليات: “تطويق ثم اقتحام” أم “احتلال شامل”؟

  • النسخة المقرّة تركّز أولًا على غزة سيتي: تطويق، إخلاءات واسعة، ثم توغلات متتابعة. تقديرات عبرية تحدّثت عن 4–5 أشهر لهذه المرحلة وحدها، مع نزوح قد يطال قرابة مليون شخص إضافي.

     

  • في المقابل، طُرحت داخل الجيش خطة تطويق وضغط بدل احتلال شامل، لتقليل الاحتكاك المباشر وتقليص مخاطر الأسرى واستنزاف القوات. نتنياهو رفضها لصالح مسار الاحتلال.

     

 المؤشرات الميدانية: هل هناك حشد لعملية أكبر؟

  • صور أقمار صناعية وتقارير أميركية تتحدث عن حشد قوات ومعدات قرب غزة، متّسقة مع الاستعداد لعمليات برية كبرى جديدة (ولو أن البعض يقرأها أيضًا كضغط تفاوضي).

     

 الكلفة السياسية–الدبلوماسية

  • التوجه نحو الاحتلال الكامل يُفاقم العزلة الدولية: إدانات حادّة من عواصم غربية ومخاوف من تهجير قسري جديد، ومعارضةٍ متزايدة داخل الحلفاء أنفسهم.

     

  • داخليًا، الانقسام تعمّق: انتقاد مباشر من زعماء معارضة واحتجاجات في الشارع؛ والخلاف بين نتنياهو ورئيس الأركان خرج إلى العلن على غير المعتاد.

البعد الإنساني: تفاقم الكارثة

  • أي توغّل واسع سيضاعف المجاعة، النزوح، والانهيار الخدمي في قطاع يعاني أصلًا من أرقام وفيات مرتفعة للغاية منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023؛ تقارير دولية تتحدث عن أكثر من 61 ألف قتيل وتدهور حاد في أوضاع الغذاء.

     

 ماذا يعني ذلك استراتيجيًا؟

الاحتلال الكامل لن يحلّ معضلات إسرائيل الرئيسية (الأسرى، إعادة الردع، إنهاء قدرات المقاومة) بل يُحتمل أن:

  • يوسّع رقعة الاحتكاك اليومي ويحوّل غزة إلى مستنقع حضري طويل.

  • يُقوّض الشرعية الدولية ويفتح مسارات ضغط قانوني وسياسي إضافي.

  • يُعرّض الأسرى لـمخاطر أعلى ويُقيّد خيارات التفاوض.

  • يضع الجيش تحت عبء تعبئة واحتياط مزمنين في مسرح عمليات كثيف الكلفة.

 

من منظور عسكري–سياسي بحت، تبدو خطة “التطويق والضغط” (المرفوضة سياسيًا حاليًا) أقرب إلى منطق إدارة المخاطر: ضغط مستمر، ضربات مركّزة، تفاوض على الأسرى، وتقليص احتكاك الاحتلال المباشر. أما مسار الاحتلال الكامل فيحقق “صورة إنجاز” سريعة سياسيًا لكنه يفتح أبواب حرب استنزاف يصعب إغلاقها، مع كلفة إنسانية وسياسية قد تفوق أي مكسب عملياتي متخيّل.

 

اقرأ أيضا: “المساعدات القاتلة”.. كيف تحوّلت عمليات الإسقاط الجوي إلى أداة للفوضى في غزة؟