اندلاع مظاهرة في قلب دمشق، هاجمت النظام المصري ورئيسه عبد الفتاح السيسي، على خلفية موقف القاهرة من حرب غزة، لم يكن حدثًا عابرًا. الفيديوهات التي انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي أظهرت عشرات السوريين يهتفون ضد السيسي، ما أثار موجة ردود غاضبة في مصر، خاصة من الإعلاميين المحسوبين على السلطة. ورغم غياب تعليق رسمي من دمشق، فإن مجرد حدوث المظاهرة قرب الجامع الأموي، وربطها بعض المصادر بمحيط السفارة المصرية، فتح الباب لتأويلات واسعة، أبرزها أن النظام السوري سمح بها أو رتب لها، في خطوة فسّرها البعض كرسالة سياسية لمصر وسط التوترات الإقليمية.
ردّ الإعلام الموالي للسيسي جاء سريعًا. مصطفى بكري وصف المتظاهرين بـ”الخونة”، متسائلًا عن سبب صمتهم تجاه احتلال الجولان وتدمير الجيش السوري، بينما الإعلامي أحمد موسى اعتبر أن “المشهد عبثي”، واتهم دمشق بترتيب التظاهرة ضد مصر. موسى لم يكتفِ بالهجوم الإعلامي، بل طالب بفتح ملف اللاجئين السوريين في مصر، معتبرًا أن وجودهم بات “خطيرًا”، وأنه حان الوقت لتنظيم عودتهم، على غرار قرارات أمريكية أعادت النظر في أوضاع السوريين لديها.

من التظاهرة إلى خطاب “ترحيل اللاجئين”
لم تتوقف الحملة عند حدود البرامج التلفزيونية. وسرعان ما تصدر وسم “ترحيل اللاجئين مطلب شعبي” منصة “أكس”، وسط دعوات من حسابات مرتبطة بالسلطة لجمع توقيعات تطالب الحكومة المصرية بإعادة السوريين إلى بلدهم. البيان الذي نشرته الحملة الإلكترونية تحدث عن “تهديد مباشر للأمن القومي المصري”، وزعم أن اللاجئين السوريين يستنزفون موارد الدولة ويهددون النسيج الاجتماعي، مطالبًا بوقف أي دعم أو تسهيلات لهم، والبدء في خطة لإعادتهم إلى بلادهم.
الإعلامية لميس الحديدي دخلت على خط الجدل، وهاجمت السوريين المتظاهرين قائلة إنهم يمارسون “ازدواجية معايير”، إذ يتظاهرون ضد مصر بدلًا من مواجهة إسرائيل التي تحتل الجولان وتقصف دمشق نفسها. حديثها أظهر كيف يتحول الغضب من مشهد احتجاجي في دمشق إلى ذريعة لمهاجمة اللاجئين السوريين في مصر، الذين يعيش أغلبهم أوضاعًا صعبة منذ سنوات.
خلفيات سياسية وخوف من “مصير الأسد”
وراء هذه الحملة الإعلامية يكمن هاجس أعمق لدى نظام السيسي. فالتظاهرات التي خرجت في دمشق ضد مصر تمثل في نظره إنذارًا سياسيًا خطيرًا: أن أي غضب شعبي، حتى لو في الخارج، يمكن أن يُستثمر ضد شرعية النظام. السيسي الذي يدرك هشاشة الوضع الداخلي المصري، يعيش قلقًا دائمًا من أن يجد نفسه في مواجهة سيناريو شبيه بمصير بشار الأسد: احتجاجات شعبية عارمة تتحول إلى أزمة وجودية، تضع النظام في مواجهة الداخل والخارج معًا.
هذه المخاوف تفسر سرعة انتقال الخطاب الإعلامي من مجرد إدانة التظاهرة السورية إلى المطالبة بترحيل اللاجئين. النظام يسعى لتوجيه الغضب نحو “الآخر”، أي السوريين في مصر، بدلاً من فتح نقاش داخلي حول السياسات المصرية تجاه غزة أو الأزمة الاقتصادية. وهنا يظهر التناقض: مصر التي طالما افتخرت باحتضان السوريين بعد 2011، تتحول الآن إلى ساحة خطاب كراهية وتحريض ضدهم، بمجرد أن اهتزت صورة السلطة في مظاهرة عابرة.
اللاجئون بين مطرقة السياسة وسندان الإعلام
الأرقام تكشف حجم الفجوة بين الخطاب والواقع. فوفق المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، ارتفع عدد السوريين المسجلين في مصر من 12 ألفًا عام 2012 إلى أكثر من 153 ألفًا بنهاية 2023، بينما تقدّر المنظمة الدولية للهجرة أن العدد الفعلي يقارب 1.5 مليون سوري. هؤلاء اندمج كثيرون منهم في المجتمع، فأسسوا مشروعات صغيرة، وشاركوا في تنشيط قطاعات اقتصادية، أبرزها المطاعم والتجارة. لكن أي حملة رسمية أو إعلامية ضدهم تهدد بتحويلهم إلى “كبش فداء” في معادلات سياسية لا تخصهم.
الحملة الأخيرة قد تكون محاولة من النظام لاستخدام ملف اللاجئين كورقة ضغط داخلية وخارجية: داخليًا، لتشتيت الرأي العام عن الأزمات الاقتصادية المتفاقمة، وخارجيًا، للتلويح للغرب بأن مصر تتحمل أعباءً هائلة وتستحق مزيدًا من الدعم. غير أن الخطاب العدائي تجاه السوريين يفتح الباب أمام توترات اجتماعية، وربما صدامات، خاصة أن اللاجئين باتوا جزءًا لا يتجزأ من نسيج بعض المدن المصرية.
لحظة إقليمية مشحونة
اندلاع هذه الأزمة الإعلامية يتزامن مع تصاعد التوتر في غزة ولبنان وسوريا، وهو ما يضع مصر في قلب مشهد إقليمي متشابك. السيسي يحاول التمسك بخطاب “الحفاظ على الدولة” وتجنب الانخراط المباشر في مواجهة مع إسرائيل، لكنه يجد نفسه متهمًا بالتقاعس عن نصرة غزة. في المقابل، النظام السوري الذي لم يعلّق على المظاهرة، ربما يرى في توجيه الغضب نحو مصر فرصة للتنفيس عن أزماته الداخلية، أو على الأقل لإحراج القاهرة إقليميًا.
النتيجة أن السوريين في مصر يدفعون الثمن مرتين: مرة من خطاب الكراهية الذي يصوّرهم كعبء، ومرة من استغلال وجودهم كورقة مساومة سياسية. وإذا استمر التصعيد، فقد يجد النظام نفسه أمام أزمة دبلوماسية مع دمشق، وأخرى داخلية مع شريحة واسعة من السوريين الذين اعتادوا النظر إلى مصر كملاذ آمن.
خاتمة
أظهرت مظاهرة دمشق ضد السيسي هشاشة الخطاب الرسمي في مصر، وكشفت كيف يمكن لحادثة عابرة أن تتحول إلى حملة منظمة ضد اللاجئين. النظام الذي يخشى تكرار مصير الأسد، يسعى إلى تصدير الأزمة بدلًا من مواجهتها، عبر خطاب يخلط بين الأمن القومي والسياسة الخارجية والمخاوف الشعبية. لكن تحويل اللاجئين إلى شماعة قد يفتح على مصر أبواب توترات أكبر، ويضع صورة الدولة في مواجهة جديدة مع مبادئ طالما تباهت بها: الحضن العربي والملاذ الآمن.
اقرأ أيضًا : قمع الملك وحكومته.. احتجاجات “جيل زد” تتواصل في المغرب وسط حملة توقيفات