في ساعة مبكرة من فجر الجمعة، أعلنت الاستخبارات التركية نجاحها في تنفيذ عملية أمنية مشتركة تحت اسم “ميترون”، بالتعاون مع النيابة العامة وفرع مكافحة الإرهاب في إسطنبول. العملية أسفرت عن اعتقال مواطن تركي يُدعى سركان تشيتشك، بعد ثبوت ارتباطه المباشر بجهاز الاستخبارات الإسرائيلي “الموساد”. هذا التطور يؤكد استمرار المعركة الخفية بين أنقرة وتل أبيب في ميدان التجسس وصراع النفوذ الإقليمي.
تفاصيل الارتباط بالموساد
التحقيقات الأولية كشفت أن سركان تشيتشك كان على صلة بشخص يُعرف باسم “فيصل رشيد”، وهو أحد عناصر المركز الإسرائيلي للعمليات عبر الإنترنت. ووفقًا للمصادر الأمنية التركية، وافق المتهم على تنفيذ أنشطة تجسسية تستهدف ناشطًا فلسطينيًا معارضًا للسياسات الإسرائيلية في الشرق الأوسط، ما يوضح أن النشاط الاستخباراتي الإسرائيلي في تركيا لا يقتصر على تتبع المصالح التركية، بل يمتد إلى مطاردة الفلسطينيين في الشتات.
خلفية من محاكمات سابقة
هذه العملية تأتي امتدادًا لسلسلة من الضربات التي وجهتها أنقرة لشبكات الموساد في أراضيها. ففي نيسان/أبريل الماضي، أصدرت محكمة تركية أحكامًا قاسية وصلت إلى قرابة مئة عام من السجن بحق خلية تجسس مرتبطة بالموساد، تورطت فيها عائلة تركية بأكملها إلى جانب عدد من الأفراد. وقد كشفت تلك المحاكمة تفاصيل دقيقة عن آليات عمل الموساد داخل تركيا وأوروبا، وكيفية استخدام الشركات الوهمية كغطاء لتبادل المعلومات ونقل الأموال.
دور الشركات كستار للتجسس
القضية السابقة أبرزت اسم رجل الأعمال التركي أحمد إرسين توملوجالي الذي أنشأ شركة تأمين استخدمها كواجهة لأعمال التجسس، حيث عمل على مراقبة شخصيات فلسطينية ولبنانية، وإعداد ملفات دقيقة عنهم مقابل مبالغ مالية ضخمة وصلت إلى مئات آلاف اليوروهات. تورطت عائلته بشكل مباشر في هذه العمليات، ما أدى إلى صدور أحكام بالسجن بحق زوجته وابنة زوجته وآخرين. هذه النماذج توضح النمط المتكرر الذي يستخدمه الموساد: تجنيد عناصر محلية وتغطية نشاطهم عبر شركات تجارية.
البعد السياسي والأمني
اعتقال تشيتشك في إسطنبول يحمل دلالات سياسية تتجاوز الحدث الأمني نفسه. فهو يعكس إصرار أنقرة على إظهار سيادتها في مواجهة أنشطة استخباراتية أجنبية، وخاصة تلك التي تستهدف الفلسطينيين على أراضيها. كما يوجّه رسالة مزدوجة إلى الداخل التركي والخارج مفادها أن تركيا لن تسمح باستخدام أراضيها كمنصة لتصفية الحسابات الإسرائيلية. في المقابل، يكشف الحدث حجم القلق الإسرائيلي من النشاط الفلسطيني في تركيا، ما يدفع الموساد إلى تكثيف عملياته هناك.
التداعيات المحتملة
من المرجح أن تشهد المرحلة المقبلة تصعيدًا غير معلن في حرب الظل بين أنقرة وتل أبيب. فبينما تسعى إسرائيل لملاحقة خصومها عبر العمل السري، تثبت تركيا قدرتها على تفكيك هذه الشبكات وإخضاعها للقضاء. هذا الصراع قد يترك أثرًا مباشرًا على العلاقات الدبلوماسية الهشة بين البلدين، خاصة في ظل التوتر المتصاعد في الإقليم نتيجة الحرب على غزة وتداعياتها الإقليمية.
عملية “ميترون” تمثل حلقة جديدة في مسلسل طويل من المواجهة الاستخباراتية بين تركيا وإسرائيل. اعتقال عميل جديد للموساد في قلب إسطنبول ليس مجرد إنجاز أمني، بل هو جزء من معركة أوسع تتقاطع فيها الحسابات الأمنية بالسياسية، وتكشف عن عمق المواجهة الخفية التي تدور بين القوى الإقليمية فوق السطح وتحت الأرض.
اقرأ أيضا: بعد خداع ترامب.. هل تنجح السعودية في تعويض الحماية الأمريكية بتعزيز التعاون الدفاعي مع تركيا؟