في مشهد يعيد اليمن إلى أجواء الانقلابات والاصطفافات المسلحة، تصاعدت حدة التحذيرات الرسمية خلال الساعات الماضية من خطر «انقلاب جديد» تقوده ميليشيا المجلس الانتقالي الجنوبي المدعومة إماراتيًا، بعد سلسلة تحركات عسكرية وسياسية خارج إطار التوافق الوطني، شملت السيطرة على محافظات جنوبية بكاملها دون قتال، وتغيير موازين القوى في لحظة يعتبرها الكثيرون الأخطر منذ تشكيل مجلس القيادة الرئاسي.

تحذيرات رسمية من انزلاق خطير

نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي وحاكم مأرب، سلطان العرادة، وصف تحركات الانتقالي بأنها «تصرفات خارج الإجماع الوطني»، مؤكداً أنها تمثل ثغرة خطيرة تمنح الحوثيين فرصة ذهبية لتعزيز نفوذهم في لحظة تتطلب اصطفافًا وطنيًا غير مسبوق.

وخلال اجتماع عبر الاتصال المرئي مع سفيري بريطانيا وفرنسا، شدد العرادة على أن أي خطوة أحادية «تهدد السلم الاجتماعي» وتضعف الجبهة الداخلية، محذراً من أن استمرار هذه المشاهد يمنح مشروع الحوثي – المرتبط مباشرة بالأجندة الإيرانية – القدرة على توسيع نفوذه، ليس فقط داخل اليمن، بل باتجاه تهديد التجارة العالمية وممرات الملاحة الحيوية.

وأشار العرادة إلى أن الوضع الراهن يفرض «مضاعفة الجهود الدولية» دعماً للشرعية، وعدم السماح بخلق فراغات أمنية أو سياسية يمكن أن تطيح بما تبقى من مسار استعادة الدولة. كما طالب المجتمع الدولي بموقف «أكثر حزماً» تجاه أي تحركات تُربك المشهد أو تنسف المرجعيات الثلاث الأساسية: المبادرة الخليجية، ومخرجات الحوار الوطني، وقرار مجلس الأمن 2216.

اتهامات صريحة بالانقلاب على الشرعية

وفي نبرة أكثر حدة، اتهم وزير الخارجية الأسبق عبدالملك المخلافي ميليشيا الانتقالي المدعومة من الإمارات بتنفيذ «انقلاب واضح على الشرعية الدستورية».

وقال المخلافي، وهو نائب رئيس هيئة التشاور التابعة للمجلس الرئاسي، إن ما جرى في حضرموت والمهرة وعدن «ليس مجرد انفصال»، بل انقلابٌ ثانٍ داخل الجمهورية اليمنية، يستهدف هذه المرة إعلان نقل السلطة ومرجعيات المرحلة الانتقالية.

ورغم سيطرة الانتقالي على مناطق واسعة في الجنوب خلال الأيام الأخيرة، شدد المخلافي على أن «الانقلاب غير مكتمل» ويمكن التراجع عنه، لكنه في الوقت ذاته يحمل دلالات خطيرة، أبرزها سيطرة عسكرية دون شرعية سياسية أو إجماع وطني.

سيطرة على حضرموت والمهرة.. ورفض سعودي واضح

الميليشيا الانفصالية المدعومة إماراتيًا سيطرت خلال الأيام الماضية على محافظتي حضرموت والمهرة دون مقاومة تُذكر، في خطوة وُصفت بأنها «إعادة رسم للخريطة الجغرافية والسياسية» في الجنوب.

هذه التحركات أثارت غضب السعودية – قائدة التحالف – التي سارعت لإعلان رفضها، معتبرة أن ما يجري يقوض شرعية الحكومة ويهدد اتفاقيات تقاسم السلطة التي تشكل الأساس السياسي للمرحلة الحالية.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي أصدر بيانًا أكد فيه أن تحركات الانتقالي «تنسف الشرعية وتخل بالتوافق»، محذراً من أن تكرار التجربة قد يجر البلاد إلى مواجهة مفتوحة بين أطراف يفترض أنها ضمن معسكر واحد.

انسحابات مفاجئة للقوات السعودية والسودانية من عدن

في تطور أربك المشهد أكثر، انسحبت القوات السعودية والسودانية من قصر معاشيق ومن مدينة البريقة في عدن، كما تم إخلاء الطاقم الطبي السعودي من مستشفى الأمير محمد بن سلمان.

بالتوازي، انسحبت قوات درع الوطن – التي أنشأتها السعودية عام 2023 كقوة موازية للانتقالي – من مواقع رئيسية في حضرموت ومأرب، وتوجهت نحو مناطق العبر والرويك، ما فتح الباب أمام تساؤلات حول مستقبل التوازنات العسكرية في الجنوب.

هذه الانسحابات، بحسب محللين، منحت ميليشيا الانتقالي مساحة أكبر للتحرك، ما زاد المخاوف من أن تكون المحافظة على الاستقرار في عدن وبقية المحافظات مهددة أكثر من أي وقت مضى.

الإمارات.. اللاعب الذي لا يغيب

ورغم أن أبوظبي لا تعلن رسميًا دعمها للانتقالي في هذه التحركات، إلا أن الوقائع الميدانية والسياسية تشير إلى أن الميليشيا الجنوبية تمثل ذراعها الأقوى داخل اليمن، وأن خطواتها تمضي غالبًا بالتوازي مع المصالح الإماراتية في الجنوب، خصوصًا في الموانئ وخطوط الملاحة ومناطق النفوذ البحري.

ويرى مراقبون أن تحركات الانتقالي الأخيرة تمت بدعم إماراتي غير معلن، مستغلين انشغال السعودية بترتيب ملفات إقليمية أكبر، ما يجعل هذه اللحظة فرصة لفرض واقع جديد قبل أي تسوية سياسية مقبلة.

اليمن على حافة لحظة فارقة

في ظل تضارب التحركات العسكرية والسياسية، ووسط انقسام داخلي غير مسبوق داخل معسكر الشرعية، يقف اليمن أمام مفترق طرق خطير:

  • إما العودة إلى مسار الدولة والمرجعيات والتوافق الوطني،

  • أو الانزلاق نحو صراع داخلي جديد يعمّق الانفصال ويمنح الحوثي فرصة تاريخية لتوسيع نفوذه.

التحذيرات التي أطلقها العرادة والمخلافي ليست مجرد موقف سياسي، بل إنذار مبكر من احتمال ولادة انقلاب جديد، تتورط فيه ميليشيا مدعومة إقليميًا، في بلد أنهكته الانقسامات ويصارع للبقاء موحّدًا.

وحتى اللحظة، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا:

هل يتحرك المجتمع الدولي والإقليمي لوقف هذا المسار، أم يُترك اليمن ليواجه وحده ارتدادات انقلاب جديد قد يعيد تشكيل المنطقة بأسرها؟

اقرأ أيضًا : انهيار غير مسبوق في مخزون الدواء بغزة وأزمة غاز الطهي تتفاقم وسط حصار خانق