للمرة الأولى منذ استئناف الحرب الوحشية على قطاع غزة في مارس/آذار الماضي، تراجعت حدة القصف الإسرائيلي على أجزاء واسعة من القطاع، وسط أنباء عن “تجميد” العملية العسكرية لاحتلال مدينة غزة. وعلى الرغم من ذلك، لم يتوقف القصف بشكل كامل، إذ ما تزال مناطق من مدينة غزة، وخاصة مخيم الشاطئ، تتعرض لقصف مدفعي وجوي عنيف مصحوب بتوغلات محدودة على أطرافه الشمالية.

هذا التراجع النسبي في وتيرة الغارات لم يُترجم إلى تهدئة فعلية على الأرض، بل بدا أقرب إلى “إعادة تموضع ميداني” في ضوء تحولات سياسية مفاجئة مرتبطة بالمبادرة الأمريكية الأخيرة. فالمشهد في غزة لا يزال متوتراً ومفتوحاً على احتمالات متعددة، حيث تختلط المؤشرات العسكرية بالمناورات السياسية، وتغيب الثقة في نوايا الاحتلال.

واشنطن تضغط وتل أبيب تماطل

مصادر سياسية مطلعة أكدت أن قرار تجميد العملية جاء عقب تقييمات ليلية أجراها جيش الاحتلال بالتنسيق مع وزارة الدفاع وبناء على اتصالات مكثفة مع مسؤولين أمريكيين. وتشير التقديرات إلى أن واشنطن طلبت من حكومة بنيامين نتنياهو تقليل النشاط العملياتي إلى الحد الأدنى، تحضيراً للمرحلة التنفيذية من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء الحرب، بعد إعلان حركة حماس موافقتها المبدئية عليها.

ويبدو أن إدارة ترامب تسعى إلى ترجمة موافقة حماس إلى مكسب دبلوماسي سريع، يعيد لها زمام المبادرة في الملف الفلسطيني بعد أسابيع من الفشل العسكري الإسرائيلي في تحقيق “الحسم الموعود”. غير أن نتنياهو، الذي يعيش واحدة من أكثر لحظاته السياسية حساسية منذ بدء الحرب، لا يبدو مستعداً للتنازل عن ورقة التصعيد بسهولة. فالرجل الذي يواجه ضغوطاً داخلية من اليمين المتطرف، يخشى أن يُتهم بالخضوع للضغوط الأمريكية أو “الانحناء لحماس”، وهو ما يفسر استمرار القصف رغم “التجميد المعلن”.

ويعتقد مراقبون أن ما يحدث ليس سوى محاولة من نتنياهو للمناورة وكسب الوقت، بانتظار وضوح مسار المفاوضات مع واشنطن والوسطاء الإقليميين. فالتاريخ السياسي للرجل حافل بالتلاعب بالاتفاقيات وإعادة تفسير التعهدات، الأمر الذي يجعل من أي التزام إسرائيلي مؤقتٍ أمراً مشكوكاً في جديته.

رسائل مزدوجة وموقف لا يُؤتمن

من الواضح أن الحكومة الإسرائيلية تسعى إلى إرسال رسائل متناقضة في آن واحد: تهدئة شكلية تُرضي الأمريكيين من جهة، وتصعيد ميداني يُرضي شركاءها المتطرفين في الائتلاف الحاكم من جهة أخرى. استمرار القصف في مناطق محددة من مدينة غزة، خصوصاً في مخيم الشاطئ وحي الزيتون، رغم الإعلان عن “تجميد العملية”، يؤكد أن نتنياهو يستخدم الملف الميداني كورقة مساومة سياسية لا كجزء من خطة عسكرية واضحة.

هذا السلوك، وفق محللين عسكريين، يعكس “انعدام الموثوقية” في التعاطي الإسرائيلي مع الوسطاء الدوليين، سواء كانوا أمريكيين أو عرباً أو أمميين. فتل أبيب لم تلتزم بأي من الهدن السابقة إلا لتخرقها بعد ساعات، وهو ما جعل الأطراف الوسيطة تعتبر أن التعامل مع حكومة نتنياهو بات محفوفاً بالمخاطر السياسية.

إضافة إلى ذلك، يرى مراقبون أن التراجع المؤقت في القصف لا يعني استعداد الاحتلال لتطبيق خطة ترامب فعلاً، بل هو مجرد “استراحة عملياتية” لالتقاط الأنفاس بعد الخسائر البشرية والمادية التي تكبدها الجيش خلال الأشهر الماضية. وتؤكد تقارير ميدانية أن وحدات إسرائيلية أُعيد انتشارها نحو حدود القطاع لإعادة التنظيم بعد فشلها في السيطرة على أحياء مركزية في مدينة غزة، خاصة في محيط مستشفى الشفاء والميناء.

غزة بين النار والمفاوضات

على الجانب الفلسطيني، يراقب السكان التطورات بقلق ممزوج بالأمل. فالتراجع النسبي في القصف منحهم فرصة مؤقتة لالتقاط الأنفاس، لكن التجارب السابقة علمتهم أن “الهدوء الإسرائيلي” غالباً ما يسبق عاصفة جديدة.

في الوقت نفسه، يرى محللون فلسطينيون أن خطوة واشنطن بالمضي في تنفيذ خطتها رغم استمرار القصف تمثل اختباراً لمصداقية الولايات المتحدة كوسيط مزعوم للسلام. إذ لا يمكن الحديث عن “إنهاء الحرب” بينما الاحتلال يواصل قصف المدنيين وتدمير البنى التحتية الأساسية.

ويرى آخرون أن موافقة حماس على الخطة – في جوانبها المتعلقة بالإفراج عن الأسرى وتشكيل حكومة تكنوقراط فلسطينية – وضعت إسرائيل في زاوية حرجة، بعدما سقطت مبرراتها المعلنة لاستمرار الحرب. فإصرارها على القصف رغم تلك الموافقة يفضح أن الهدف الحقيقي للحرب ليس أمن إسرائيل، بل تدمير أي إمكانية لوجود كيان فلسطيني مستقل.

خاتمة: نتنياهو بين واشنطن وغزة

تدل التطورات الأخيرة على أن نتنياهو بات في مأزق معقد: من جهة لا يستطيع رفض الضغط الأمريكي علناً خشية العزلة الدولية، ومن جهة أخرى لا يستطيع وقف الحرب كلياً خشية انهيار حكومته المتطرفة.

لذلك اختار طريقاً وسطاً يقوم على “تجميد شكلي وتصعيد جزئي”، يسمح له بتهدئة البيت الأبيض مؤقتاً، مع الإبقاء على أدوات الضغط الميداني ضد غزة.

لكن استمرار القصف رغم الحديث عن “التجميد” يكشف أن نتنياهو لا يحترم الوسطاء، ولا يؤمن بأي التزامات خارج حساباته السياسية الضيقة. فالرجل الذي بنى مسيرته على المراوغة لن يتخلى عن عادته بسهولة، مما يجعل أي اتفاق قادم محفوفاً بالشكوك، وأي وعود بوقف الحرب مؤقتة بقدر ما تخدم مصالحه الآنية.

في النهاية، تبدو غزة اليوم عالقة بين هدنة لم تولد بعد، وحرب لم تنتهِ بعد — رهينة لمزاج سياسي متقلب في تل أبيب، ورئيس حكومة “غير مأمون الجانب” يواصل اللعب بالنار على حساب دماء الأبرياء.

اقرأ أيضًا : “العزلة الرياضية”.. انسحاب فريق دراجات إسرائيلي من سباقات إيطالية تحت ضغط الاحتجاجات