في مشهد بدا وكأنه إعلان عن “اتفاق تاريخي”، قدّم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطته لإنهاء حرب غزة باعتبارها صفقة سلام شاملة، تحظى ـ حسب وصفه ـ بقبول واسع من الاحتلال الإسرائيلي والدول العربية.
لكن ما جرى خلف الكواليس كشف عن صورة مغايرة تمامًا؛ إذ أظهرت تسريبات لموقع “أكسيوس” أن رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو تمكّن من إدخال تعديلات جوهرية على بنود الصفقة في اللحظة الأخيرة، وهو ما أثار غضبًا عارمًا في العواصم العربية التي شاركت في صياغة الخطة.
النتيجة: صفقة وُلدت مشوّهة قبل أن تُعرض على الطاولة، وأزمة ثقة متجددة بين واشنطن وحلفائها الإقليميين.

تعديلات نتنياهو: من انسحاب تدريجي إلى بقاء مفتوح
الوثائق التي اطّلع عليها “أكسيوس” تكشف أن نتنياهو لم يكتفِ بالموافقة الشكلية على الخطة، بل سعى لإعادة صياغتها بما يخدم مصلحة الاحتلال في غزة. ففي اجتماع مطوّل استمر ست ساعات، جمعه بمبعوث ترامب جاريد كوشنر ومستشاره رون ديرمر، فرض نتنياهو تغييرات جوهرية تتعلق بشروط انسحاب قوات الاحتلال من القطاع.
النص الأصلي كان يتحدث عن انسحاب تدريجي على ثلاث مراحل، يترافق مع تشكيل هيئة دولية انتقالية تشرف على إعادة الإعمار ونزع السلاح. لكن النسخة المعدلة جعلت الانسحاب مشروطًا بتقدّم عملية نزع سلاح حماس، ومنحت الاحتلال “حق الفيتو” على تقييم أي خطوة من خطوات التنفيذ. والأسوأ أن النص الجديد نصّ على بقاء قوات الاحتلال في “طوق أمني” داخل غزة “إلى أن يتم ضمان خلوها من أي تهديد إرهابي”، وهي صياغة فضفاضة تفتح الباب أمام احتلال دائم تحت ذريعة الأمن.
هذه التعديلات لم تقتصر على البند الأمني فحسب، بل مسّت أيضًا جدول الانسحاب الزمني، الذي كان من المفترض أن ينتهي خلال أشهر قليلة. الآن، وبفضل نتنياهو، أصبح الغموض هو السمة الأبرز، ما يعني أن غزة قد تتحوّل عمليًا إلى منطقة تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية غير المحددة المدة.
الغضب العربي: من الدعم الحذر إلى التململ
تدخل نتنياهو أثار صدمة في صفوف الدول العربية التي شاركت في مفاوضات ماراتونية مع إدارة ترامب خلال الأشهر الماضية. السعودية ومصر والأردن وتركيا أبدت امتعاضًا شديدًا، بينما حاولت قطر ثني واشنطن عن الإعلان المفاجئ للخطة يوم الإثنين. لكن البيت الأبيض، مدفوعًا برغبة ترامب في تحقيق إنجاز سياسي سريع، تجاهل التحفظات وأصر على المضي قدمًا.
هذا الموقف وضع العواصم العربية في موقف محرج؛ فمن جهة، لا تريد أن تظهر بمظهر الرافض لأي مبادرة تهدف لوقف الحرب في غزة، ومن جهة أخرى، تجد نفسها أمام نص مختلف تمامًا عن الذي وافقت عليه سابقًا. لذلك، اكتفت ثماني دول عربية وإسلامية بإصدار بيان مشترك رحّبت فيه “مبدئيًا” بمبادرة ترامب، لكنها امتنعت عن منحها تأييدًا كاملًا، في إشارة واضحة إلى وجود فجوة كبيرة بين المعلن والواقع.
القطريون، الذين تولوا الوساطة المباشرة مع قادة حماس في الدوحة، أبلغوا شركاءهم أن البيان الإيجابي مجرد “خطوة أولى تكتيكية”، على أن تُستكمل النقاشات لاحقًا مع واشنطن لإعادة النظر في التفاصيل. هذه المرونة القطرية عكست إدراكًا بأن الإعلان الأمريكي لم يكن سوى محاولة لفرض أمر واقع، أكثر منه نتيجة اتفاق توافقي شامل.
الموقف الفلسطيني: دراسة بحسن نية أم ورطة جديدة؟
في موازاة الإعلان من البيت الأبيض، كان رئيس الوزراء القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني يجري مشاورات مع قيادة حماس في الدوحة. ووفقًا للمصادر، أبلغت الحركة الوسيط القطري بأنها ستدرس الخطة “بحسن نية”، لكنها لم تقدّم ردًا نهائيًا. المسؤولون الأمريكيون أعربوا عن أملهم في الحصول على رد خلال أسبوع، لكن ترامب لم يحدد موعدًا ملزمًا، ما يثير تساؤلات حول جدية واشنطن في إلزام الاحتلال بتعهداته.
بالنسبة لحماس، تبدو الصفقة فخًا أكثر من كونها فرصة؛ إذ تُلزمها بالتخلي عن سلاحها مقابل وعود غامضة بانسحاب قد لا يتم، فيما يبقى الاحتلال حاضرًا بقوة داخل غزة. أي قرار بالموافقة قد يُنظر إليه فلسطينيًا على أنه “استسلام”، بينما الرفض سيُستغل لتبرير استمرار الحرب واستهداف المدنيين.
حسابات نتنياهو: استثمار داخلي وخارجي
إصرار نتنياهو على تعديل الصفقة يعكس حسابات سياسية معقدة. داخليًا، يواجه أزمة ثقة متصاعدة مع المعارضة الإسرائيلية ومع عائلات الجنود الأسرى في غزة. أي انسحاب سريع دون مكاسب ملموسة قد يُصوّر كتنازل. خارجيًا، يسعى لتقييد أي مسار تفاوضي يمكن أن يمنح الفلسطينيين مكسبًا سياسيًا أو اعترافًا بسلطتهم في غزة.
وبذلك، يحقق نتنياهو هدفين متوازيين: تعزيز صورته كـ”حارس أمن إسرائيل” أمام قاعدته اليمينية، وضمان إبقاء غزة تحت سيطرة الاحتلال، ولو عبر صيغة جديدة مموّهة تحت غطاء خطة أمريكية.
واشنطن في مأزق: بين طموح ترامب وغضب الحلفاء
البيت الأبيض بدوره يجد نفسه عالقًا بين مطرقة نتنياهو وسندان الغضب العربي. إدارة ترامب كانت تعوّل على الخطة كإنجاز سياسي ودبلوماسي يعزز مكانة الرئيس على الساحة الدولية. لكن إصرار نتنياهو على فرض تعديلات أحادية أفرغ المبادرة من مضمونها، وخلق أزمة ثقة جديدة مع الحلفاء العرب الذين شعروا بأن واشنطن خدعتهم.
هذا المأزق قد ينعكس على مجمل السياسة الأمريكية في المنطقة، خاصة إذا قررت الدول العربية تقليص تعاونها أو فرض شروط جديدة على أي دعم لاحق للخطة.
خاتمة: صفقة على حافة الانهيار
في المحصلة، ما كان يُفترض أن يكون إعلانًا عن بداية جديدة لغزة تحول إلى اختبار صعب للعلاقات الأمريكية ـ العربية. تعديلات نتنياهو جعلت الصفقة أقرب إلى “وثيقة احتلال جديدة” منها إلى خطة سلام. غضب العواصم العربية وتحفظات حماس يهددان بتحويل ما سمّاه ترامب “الصفقة النهائية” إلى مجرد ورقة سياسية بلا وزن.
ويبقى السؤال الأهم: هل تملك الدول العربية الجرأة على مواجهة هذا الانحراف، أم ستكتفي بمواقف رمزية تحفظ ماء الوجه بينما يواصل الاحتلال فرض شروطه على الأرض؟
اقرأ أيضًا : متظاهر مؤيد لفلسطين يقاطع خطاب وزيرة المالية البريطانية