يستيقظ الغزيون كل صباح على رائحة الدم والدخان، بينما تتكدس جثث الشهداء في ثلاجات المستشفيات، إن وُجدت أماكن لتخزينها. فجر الجمعة كان مشهداً جديداً من الإبادة الجماعية التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي بحق أكثر من مليوني فلسطيني محاصرين في قطاع غزة، في ظل حصار مطبق، وقصف متواصل، وتجويع ممنهج.
وبينما تُدكّ الطائرات الإسرائيلية المنازل فوق ساكنيها في خان يونس وغزة ورفح، يكتفي كثير من الحكام العرب بالتفرج أو الانخراط في مسارات التطبيع التي منحت الاحتلال غطاءً سياسياً لمواصلة جرائمه.

أرقام تفضح حجم الكارثة
بحسب وزارة الصحة في غزة، استقبلت مستشفيات القطاع خلال الساعات الـ24 الماضية جثامين 72 شهيداً و314 مصاباً، ليرتفع إجمالي ضحايا العدوان منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى 61,330 شهيداً و152,359 مصاباً، بالإضافة إلى أكثر من 9 آلاف مفقود تحت الأنقاض، ومئات الآلاف من النازحين الذين يعيشون في ظروف مأساوية. اللافت أن 98 طفلاً سقطوا ضحايا للجوع وحده، في مشهد يختصر تحوّل الحصار إلى أداة قتل بطيء موازٍ للقصف العسكري.
قصف ممنهج ونسف للمنازل
في خان يونس، شنت طائرات الاحتلال غارات جوية متزامنة مع تفجير مبانٍ سكنية شرقي وشمالي المدينة، محوّلة أحياء كاملة إلى أنقاض. مجمع ناصر الطبي أعلن استشهاد ثلاثة فلسطينيين قرب محور موراغ ومراكز توزيع المساعدات شمال رفح. كما قصفت طائرة مسيرة تجمعاً للمدنيين قرب دوار بني سهيلا، ما أدى لاستشهاد اثنين. وفي وسط القطاع، استهدفت مسيّرة إسرائيلية عناصر تأمين المساعدات قرب بوابة كيسوفيم، فسقط خمسة شهداء وأصيب آخرون.
في حادث آخر، قصفت مسيّرة إسرائيلية أرضاً زراعية شرق مخيم البريج، ما أدى لاستشهاد شقيقين، بينما شنت الطائرات الحربية غارة مماثلة على أراضٍ غرب النصيرات. هذه الضربات توضح أن الاحتلال لا يميز بين مقاتل ومدني، ولا بين موقع عسكري أو مدني، بل يتعمد ضرب البنية المجتمعية للقطاع.
شرك القتل باسم المساعدات
من أخطر ما وثّقته الكاميرات إصابة العشرات، بينهم الطفل كرم الله الكحلوت –الابن الوحيد لوالديه– خلال عمليات إسقاط جوي للمساعدات في شارع الجلاء وسط غزة. الصبي كان ينتظر دوره للحصول على الماء لأسرته، لكن صندوق مساعدات سقط عليه مباشرة فأصابه بجروح خطيرة. وقبل أيام، استشهد ممرض بنفس الطريقة في خان يونس، في ما بات يعرف بين الأهالي بـ”مساعدات الموت”.
منظمة أطباء بلا حدود حذرت من أن مواقع توزيع المساعدات تحولت إلى “بؤر للقتل الممنهج” بفعل إطلاق النار المباشر أو الفوضى المفتعلة، معتبرة أن ما يجري إهانة للكرامة الإنسانية، لا عملاً إغاثياً. هذه الممارسات تأتي ضمن سياسة “هندسة التجويع” التي اعتمدتها تل أبيب، مدعومةً سياسياً وعسكرياً من واشنطن.
الاحتلال وإستراتيجية الإبادة
منذ بداية العدوان، اتبعت إسرائيل سياسة الأرض المحروقة: قصف، حصار، تدمير البنية التحتية، ومنع وصول الغذاء والدواء، مع عمليات تهجير قسري جماعية. هذه السياسة ترمي إلى تفريغ غزة من سكانها أو إخضاعهم تحت تهديد الجوع والموت. أوامر محكمة العدل الدولية بوقف الإبادة لم تُجدِ نفعاً، إذ تعاملت تل أبيب معها كحبر على ورق، وسط دعم غربي وصمت دولي مريب.
خيانة الحكام العرب: صمت يساوي المشاركة
المأساة تتعمق بفعل المواقف العربية الرسمية الباردة. بينما يذبح الاحتلال أهل غزة، تستمر بعض العواصم في احتضان الوفود الإسرائيلية، وتوقيع اتفاقات اقتصادية وأمنية معها. دول مثل الإمارات والبحرين والأردن ومصر، التي يفترض أن تكون في الصف الأول للدفاع عن القضية الفلسطينية، باتت تقدم خدمات سياسية ولوجستية للاحتلال، أو على الأقل تغض الطرف عن جرائمه. التطبيع العلني والمستتر لم يمنح الاحتلال فقط نافذة للتغلغل في المنطقة، بل شجعه على المضي قدماً في الإبادة دون خشية من رد فعل عربي حقيقي.
الإرادة الشعبية في مواجهة الانهيار الرسمي
في المقابل، الشعوب العربية والإسلامية ما زالت تنبض بالغضب والدعم لغزة، من المغرب إلى اليمن، مروراً بالأردن وتركيا وماليزيا. لكن هذه الإرادة الشعبية تصطدم بجدران الأنظمة، التي تخشى أي تحرك قد يهدد استقرارها الداخلي أو يزعج حلفاءها الغربيين. هذا التناقض بين الشارع والسلطة هو ما يجعل القضية الفلسطينية رمزاً للصراع بين الكرامة الوطنية والتبعية السياسية.
خاتمة: غزة تكشف الجميع
المشهد في غزة اليوم ليس مجرد عدوان عسكري، بل اختبار أخلاقي وإنساني للعالم، وخاصة للعرب. الاحتلال يرتكب جرائم حرب يومية، بينما الحكام العرب يكتفون بالتصريحات المكررة أو يسيرون في ركب التطبيع. التاريخ يسجل، والدم الفلسطيني يفضح المتواطئين قبل المعتدين. في النهاية، ستظل غزة شاهدة على أن الشعوب الحية تستطيع أن تواجه أعتى آلات القتل، حتى لو خانتها أنظمتها، وأن الإبادة –مهما طال أمدها– لن تمحو هوية الأرض ولا إرادة أصحابها.
اقرأ أيضًا : تدمير حماس أم تدمير السمعة الدولية لـ”إسرائيل”؟