أثار وصف صحيفة نيويورك بوست لصانعة محتوى الأطفال الشهيرة “مس رايتشل” بأنها “نجمة يوتيوب مثيرة للجدل” موجة غضب وانتقادات واسعة، وذلك عقب اختيارها للانضمام إلى لجنة تنصيب عمدة نيويورك المنتخب زُهران ممداني. واعتبر منتقدو الصحيفة أن هذا الوصف يندرج ضمن مساعٍ أوسع لوصم الخطاب المؤيد لفلسطين وتشويهه في الإعلام الأميركي.

وتصاعدت ردود الفعل الغاضبة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث شدد آباء وناشطون على أن معارضة قتل الأطفال تمثل موقفًا إنسانيًا بديهيًا، لا رأيًا سياسيًا “مثيرًا للجدل”. وفي الوقت ذاته، حظي ممداني بدعم واسع من الأوساط التقدمية، التي رأت في تشكيل لجنة تنصيبه انعكاسًا صريحًا للتحالف السياسي الذي أوصله إلى الفوز في الانتخابات.

وكان ممداني قد أعلن عن اختيار مجموعة من النشطاء والشخصيات العامة البارزة للانضمام إلى لجنة تنصيبه، وهو ما قوبل بإشادة من مؤيديه، مقابل انتقادات حادة من وسائل إعلام مؤيدة لإسرائيل بسبب ضم شخصيات معروفة بمواقفها الداعمة لحقوق الفلسطينيين.

ومن المقرر أن يؤدي ممداني اليمين الدستورية في الأول من يناير/كانون الثاني 2026، على أن يتزامن ذلك مع تنظيم فعالية جماهيرية مفتوحة تحت اسم “Inauguration Block Party” في وسط مانهاتن. وقد قدّم فريقه هذا الحدث باعتباره احتفالًا شعبيًا مفتوحًا لكل سكان المدينة، لا مراسم سياسية مغلقة.

ومن بين الأسماء التي ضمتها لجنة التنصيب، جاءت مس رايتشل، واسمها الحقيقي راشيل غريفين أكورسو، وهي معلمة أطفال عبر يوتيوب يتابعها نحو 18 مليون شخص، استخدمت منصتها بشكل متكرر للمطالبة بوقف قتل الأطفال في غزة.

كما تضم اللجنة الممثلة والناشطة التقدمية المعروفة “سينثيا نيكسون”، وبيث ميلر، المديرة السياسية لمنظمة Jewish Voice for Peace، إلى جانب فيليسا ويزدوم، المديرة التنفيذية لمنظمة New York Jewish Agenda.

وفي إعلانه عن تشكيل اللجنة، قال ممداني إنه “يتشرف بالانضمام إلى بعض من أكثر العقول إبداعًا وخبرة في المدينة”، موضحًا أن الهدف هو بناء “حفل تنصيب يُقام من أجل سكان نيويورك وبمشاركتهم”.

وسرعان ما أصبح توصيف مس رايتشل بأنها “مُثيرة للجدل” محور الانتقادات، إذ أشار كثيرون إلى أن نشاطها يتركز على نداءات إنسانية، لا سيما حماية الأطفال، وليس على تبنّي مواقف حزبية. كما لفت منتقدون إلى أن كلًا من مس رايتشل وسينثيا نيكسون سبق إدراجهما ضمن القائمة النهائية لما يُسمى “معادٍ للسامية لهذا العام” التي تصدرها منظمة  StopAntisemitism، وهي تسمية يرى معارضون أنها باتت تُستخدم لاستهداف الشخصيات المنتقدة لسياسات الحكومة الإسرائيلية، لا لمواجهة معاداة السامية الفعلية.

وفي منشور لها على إنستغرام، كشفت مس رايتشل أن إدراج اسمها في تلك القائمة أعقبه تصاعد في الهجمات ضدها وضد عائلتها، إضافة إلى تلقي تهديدات مباشرة، ما اضطرها إلى الاستعانة بحراسة أمنية. وأوضحت أن ذلك جاء على خلفية ادعاءات كاذبة تزعم دعمها لحركة حماس.

ولم تقتصر الانتقادات والجدل على لجنة التنصيب فقط، إذ خضع فريق الانتقال الخاص بممداني، وهو من بين الأكبر في تاريخ مدينة نيويورك ويضم أكثر من 400 متطوع، لتدقيق واسع، تراوح بين الإشادة والانتقاد.

ويعكس هذا الفريق تحالفًا تقدميًا واسعًا يضم نشطاء في مجال العدالة السكنية، ومنظمي نقابات عمالية، ومحامين في قضايا الحريات المدنية، ونشطاء في قضايا السلامة المجتمعية. ويُعرف العديد من أعضائه بمشاركتهم في أنشطة التضامن مع فلسطين ومعارضتهم لما يصفونه بإبادة إسرائيلية في غزة، بما في ذلك المشاركة في احتجاجات أو الارتباط بحركات مثل Students for Justice in Palestine ومنظمة Jewish Voice for Peace.

ويؤكد داعمو ممداني أن هذه التعيينات تعبر عن موقف مبدئي ضد الإبادة الجماعية والتزام بحقوق الإنسان، ولا تنطوي على عداء ديني أو عرقي. في المقابل، انتقدت منظمات مؤيدة لإسرائيل، من بينها Anti-Defamation League، فريق الانتقال، مدعية أن نحو 20 في المئة من أعضائه لهم صلات بنشاطات معادية للصهيونية، فيما اتهمت وسائل إعلام إسرائيلية ممداني باتخاذ موقف معادٍ لإسرائيل.

وفي إحدى الحالات، استقالت كاثرين ألمونتي دا كوستا، التي عُينت للإشراف على استقطاب الكفاءات، بعد إعادة تداول منشورات قديمة لها على وسائل التواصل الاجتماعي تعود لأكثر من عقد وتضمنت محتوى معاديًا للسامية. وأعربت دا كوستا عن “أسفها العميق”، مؤكدة أن تلك التعليقات لا تعكس مواقفها الحالية، وهو ما قبله ممداني.

وفي دفاعه عن خياراته، شدد ممداني على أن تمثيل وجهات نظر سياسية متنوعة، بما في ذلك الدفاع عن حقوق الفلسطينيين ومعارضة عنف الحكومة الإسرائيلية، يشكل جوهر التحالف التقدمي الذي يمثله.

ومع اقتراب موعد توليه المنصب، تحوّل ما كان يُفترض أن يكون إعلانًا روتينيًا عن مراسم تنصيب إلى نقطة اشتعال، كشفت عمق الانقسامات القائمة في المجتمع الأميركي بشأن فلسطين، ودور الإعلام في تشكيل السرديات، وحدود التعبير المقبول عن المعارضة السياسية في الفضاء العام.