تعيش دولة الاحتلال الإسرائيلي حالة من العزلة المتزايدة التي لم تعد تقتصر على الأوساط الدولية المناهضة لسياساتها، بل امتدت لتصل إلى عمق تحالفاتها التقليدية وبين أوساط الجاليات اليهودية والإسرائيلية في الخارج.
وفي مشهد يعكس حجم التصدع الداخلي والرفض لسياسات الحكومة اليمينية المتطرفة، شهدت ولاية كاليفورنيا الأمريكية حادثة استثنائية، حيث تعرض القنصل الإسرائيلي لهجوم لفظي حاد وهتافات استهجان من قبل الحاضرين في حفل رسمي، مما يشير إلى تحول جذري في تعاطي الإسرائيليين في المغترب مع ممثليهم الرسميين.

صرخة احتجاج في “وادي السيليكون”: القنصل تحت حصار الهتافات
في مدينة “بالو ألتو” بقلب وادي السيليكون، تجمع مئات الإسرائيليين واليهود، بما في ذلك عائلات فقدت أبناءها في الحروب، لإحياء ذكرى قتلى “حروب إسرائيل”. وبينما كان من المفترض أن يكون الحفل تأبينياً، تحول المشهد إلى ساحة للمواجهة السياسية عندما اعتلى القنصل الإسرائيلي في شمال غرب الولايات المتحدة، ماركو سيرمونتي، المنصة لإلقاء كلمته.
وبدلاً من التركيز على مشاعر المواساة والذكرى، اختار سيرمونتي توظيف المنصة لتوجيه انتقادات سياسية حادة، مما فجر غضب الحاضرين الذين قاطعوا خطابه بهتافات مدوية بعبارة “عار وخزي”. هذا الاحتجاج لم يكن عفوياً فحسب، بل وصل إلى حد محاولة الجمهور إسكات القنصل من خلال ترديد النشيد الوطني “الأمل” أثناء حديثه، في محاولة لاسترداد الحفل من طابعه “الحزبي” الذي فرضه القنصل.
خطاب الحرب الأبدية: اتهامات للقنصل بتسييس ذكرى القتلى
نقلت تقارير صحفية، ومنها ما أورده مراسل صحيفة “يديعوت أحرونوت”، استياءً عميقاً من قبل المشاركين الذين اتهموا سيرمونتي بتحويل مناسبة وطنية جامعة إلى “منبر سياسي حزبي”. وزعم الحاضرون أن القنصل، الذي يشغل مناصب في الخارجية منذ عام 1993، ركز في خطابه على الحرب ضد إيران وأشاد بالحكومة الحالية بلغة توحي بـ “الحرب الأبدية”، متجاهلاً ذكر أسماء القتلى أو إبداء الاحترام الكافي لذكراهم.
الخطاب الذي تضمن مقارنات بين دروس المحرقة والنزاع الحالي مع إيران، اعتبره الكثيرون محاولة لترهيب المعارضين الداخليين. وقد ذهب سيرمونتي بعيداً في كلمته حين زعم أن الانتقادات الموجهة للجيش الإسرائيلي وللدولة من الداخل هي التي “تعرض اليهود في كل مكان للخطر”، متهماً المعارضين بأنهم يفعلون ذلك من أجل “حفنة من الأصوات” أو مكاسب شخصية، وهي التهمة التي أشعلت غضب الجمهور وطالبوه بالنزول فوراً عن المنصة.
تهاوي الإجماع الداخلي: “تخوين” المعارضين في المحافل الدولية
يعكس هذا الانقسام الحاد في “بالو ألتو” أزمة أعمق تلاحق دبلوماسية الاحتلال؛ حيث بات الممثلون الرسميون يلجأون إلى لغة “التخوين” حتى ضد أبناء جلدتهم في الخارج. القنصل سيرمونتي، في تحدٍ واضح لمشاعر الحاضرين، استمر في إدانة المنتقدين المحليين من الإسرائيليين واليهود، معتبراً أن وجود أصوات توجه اتهامات للجيش الإسرائيلي هو أمر “مقلق للغاية ويستحق إدانة شديدة”.
هذا الأسلوب الدفاعي والهجومي في آن واحد، يرى فيه محللون دليلاً على حالة الارتباك التي تعيشها الخارجية الإسرائيلية أمام تصاعد موجة الرفض لسياسات الحكومة الحالية. فبدلاً من احتواء الغضب أو فتح باب الحوار، اختار القنصل التصعيد، مدعياً أن الانتقادات تمنح شرعية لـ “تشويه سمعة الدولة”، وهو ما لم يقبله الجمهور الذي رأى في هذه الكلمات محاولة لقمع حرية التعبير وفرض رواية حكومية واحدة تحت ستار “الأمن القومي”.
ردود فعل رسمية وتعمق الفجوة مع الجاليات
في المقابل، حاولت وزارة الخارجية في تل أبيب التقليل من شأن الحادثة، واصفة المحتجين بأنهم “حفنة من المتظاهرين” الذين اختاروا “تدنيس” مراسم يوم الذكرى دون مبرر. هذا الرد الرسمي يعكس انفصالاً عن الواقع؛ فالمحتجون لم يكونوا متظاهرين من الخارج، بل كانوا من صلب الجالية ومن عائلات القتلى المشاركين في الحفل.
ملاحقة هتافات “العار” للدبلوماسيين الإسرائيليين في عواصم العالم، وتحديداً في مراكز القوة والابتكار مثل وادي السيليكون، تؤكد أن “الحصانة” التي كانت تتمتع بها الرواية الإسرائيلية الرسمية قد تآكلت. العزلة اليوم لم تعد جغرافية أو سياسية فحسب، بل أصبحت شرخاً وجدانياً وفكرياً يمتد ليشمل الإسرائيليين أنفسهم، الذين باتوا يرون في حكومتهم وممثليها عبئاً أخلاقياً وسياسياً يطارد ملاحقهم أينما حلوا.
اقرأ أيضًا : إيران استخدمت قمر صناعي صيني لضرب قواعد أمريكية.. ما دلالة ذلك؟