رغم الإعلان عن دخول اتفاق وقف إطلاق النار في غزة مرحلته الثانية، يواصل الاحتلال الإسرائيلي عملياته العسكرية ضد القطاع، في مشهد يؤكد أن ما يُسمّى بـ”المرحلة الثانية” لا يحمل أي تغيير جوهري في السلوك الميداني، بل يعكس محاولة إسرائيلية لتكريس واقع أمني يخدم مصالحها قبل تثبيت أي ترتيبات سياسية جديدة.
فعلى الأرض، تستمر الطائرات الإسرائيلية في تنفيذ غارات متقطعة تستهدف مناطق زُعم أنّها “مصادر نيران” للمقاومة الفلسطينية، بينما تؤكد مصادر ميدانية داخل القطاع أن القصف يطاول أحياءً مدنية ومواقع خدماتية. ويبدو أنّ الاحتلال يحاول، من خلال هذا النمط من التصعيد “المضبوط”، إرسال رسائل ضغط للمقاومة والمجتمع الدولي على حدّ سواء، مفادها أنّ يد تل أبيب لا تزال هي العليا في تحديد وتيرة الهدوء أو التصعيد.
في المقابل، تلتزم المقاومة الفلسطينية ببنود الهدنة، لكنها في الوقت ذاته تُظهر جاهزية ميدانية عالية تحسبًا لأي انهيار محتمل للاتفاق. وتؤكد الفصائل أن استمرار خروقات الاحتلال يهدد المسار السياسي الهش، محذّرة من أنّها لن تسمح بتحويل التهدئة إلى غطاء للاغتيالات أو التوغلات المحدودة. هذه الرسائل تحمل في طياتها موازنة دقيقة بين الحفاظ على التهدئة والتمسك بحق الدفاع عن النفس، وهو ما يعبّر عن إدراك المقاومة لتعقيدات المرحلة المقبلة.

تحركات سياسية متسارعة وتباينات حادة
سياسيًا، تكشف التطورات الأخيرة عن تشابك واضح بين المسارات الإقليمية والدولية المتعلقة بإدارة غزة بعد الحرب. فإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تشكيل “مجلس السلام” وإشراك تركيا وقطر في لجنة غزة الإدارية شكّل مفاجأة على المستويين الإسرائيلي والمصري، إذ أظهر محاولة أميركية لتصميم ترتيبات جديدة في القطاع بعيدًا عن التنسيق مع الأطراف التقليدية.
وقد أثار هذا التحرك غضب الاحتلال الإسرائيلي الذي سارع إلى إصدار بيان حادّ اللهجة عبر مكتب رئيس حكومته بنيامين نتنياهو، معتبرًا أنّ أي ترتيبات تخص إدارة غزة دون إشراك إسرائيل تُعدّ “انتهاكًا لسيادتها الأمنية”. هذا الموقف يعبّر عن خشية إسرائيل من فقدان السيطرة على مستقبل القطاع، خصوصًا في ظل بروز دور إقليمي متنامٍ لتركيا وقطر، يُنظر إليه في تل أبيب على أنه منحاز للمقاومة الفلسطينية.
أما مصر، التي تلعب دور الوسيط التاريخي في الملف الفلسطيني، فتجد نفسها أمام معادلة دقيقة بين الحفاظ على موقعها كضامن أساسي للتهدئة، وبين التعامل مع مبادرات أميركية قد تُضعف من مركزها الإقليمي. تصريحات وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي حول “دراسة دعوة ترامب للانضمام إلى مجلس السلام” تعكس هذا الحذر الدبلوماسي، إذ لا ترغب القاهرة في القطيعة مع واشنطن، لكنها تدرك في الوقت ذاته حساسية المشهد الداخلي في غزة ورفض الشارع الفلسطيني لأي وصاية جديدة تُدار من الخارج.
أبعاد إقليمية وتداعيات مستقبلية للمرحلة الثانية
التحليل الأعمق يُظهر أن ما يجري ليس مجرد جدل حول “مجلس السلام” أو ترتيبات إدارية، بل هو صراع على من يمتلك الكلمة العليا في صياغة مستقبل غزة بعد الحرب. فالولايات المتحدة الأميركية تحاول إعادة التموضع بعد فشلها في فرض وقف إطلاق نار دائم بالشروط الإسرائيلية، وتسعى الآن لتأسيس إطار سياسي يضمن نفوذها من خلال واجهات إقليمية مقبولة ظاهريًا، لكنها تعمل في جوهرها على تحييد المقاومة الفلسطينية من أي دور مركزي في إدارة القطاع.
في المقابل، تدرك المقاومة أنّ أي ترتيبات تُفرض دون مشاركتها المباشرة تعني العودة إلى مربع الوصاية، وهو ما ترفضه بشكل قاطع. لذا، تعمل الفصائل على استثمار الهدنة لتعزيز حضورها السياسي والدبلوماسي، مع التأكيد على أن إدارة غزة يجب أن تكون بيد أهلها وليس عبر لجان خارجية. هذا الموقف، وإن بدا متشدّدًا في نظر بعض الوسطاء، يعبّر عن رؤية فلسطينية تسعى إلى تحويل الانتصار الميداني إلى مكسب سياسي مستدام.
إقليميًا، تبدو تركيا وقطر الأكثر استعدادًا لتحمل مسؤولياتهما في دعم هذا المسار، سواء من خلال المساهمة في إعادة الإعمار أو توفير الغطاء السياسي لمخرجات المقاومة. في المقابل، تواجه إسرائيل مأزقًا متزايدًا يتمثل في فقدان أوراق الضغط بعد فشلها في فرض شروطها خلال المعركة الأخيرة، ما يدفعها إلى تبني سياسة “التصعيد المتقطع” كأداة لاستعادة الردع المفقود.
أما على الصعيد الدولي، فيبدو أن العالم يتجه نحو إعادة تقييم موازين القوى في غزة. فالإدارة الأميركية، رغم محاولاتها الإبقاء على نفوذها عبر “مجلس السلام”، تواجه تحديًا متناميًا يتمثل في تراجع ثقة الحلفاء الإقليميين، وتزايد الانتقادات الداخلية لسياستها المنحازة للاحتلال. ومن المرجّح أن تشهد المرحلة المقبلة اختبارًا فعليًا لقدرة واشنطن على إدارة ملف معقد باتت المقاومة أحد أبرز فاعليه، لا مجرد طرف في معادلة أمنية.
خلاصة المشهد: تهدئة هشة وموازين متغيرة
تبدو المرحلة الثانية من الهدنة في غزة أشبه بمرحلة انتقالية محفوفة بالمخاطر، حيث يحاول الاحتلال الإسرائيلي فرض وقائع جديدة على الأرض، بينما تسعى المقاومة الفلسطينية إلى حماية مكتسباتها السياسية والميدانية. في المقابل، تتنافس القوى الإقليمية والدولية على مقعد التأثير في ترتيبات ما بعد الحرب، في مشهد يختبر حدود النفوذ الأميركي وقدرة الأطراف العربية على صياغة مقاربة أكثر استقلالية.
إن استمرار الخروقات الإسرائيلية يعزز القناعة بأن الاحتلال يستخدم الهدنة كأداة لإدارة الوقت، لا لإنهاء العدوان، فيما تراهن المقاومة على صمودها الشعبي والسياسي لتثبيت حقها في أن تكون الطرف الأصيل في رسم مستقبل غزة. وبينما يواصل العالم مطالبه بوقف دائم لإطلاق النار، يبقى الميدان هو المحدد الحقيقي لموازين القوى في معادلة لا تزال مفتوحة على كل الاحتمالات.