بقلم/ محمود عثمان

لم يخلُ المؤتمر الصحفي الذي عقده الرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض، بمشاركة رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، من المغالطات والادعاءات التي تعكس منهجًا طالما اتّبعه الرجل خلال فترتي رئاسته؛ وهو خلط الحقائق بالتصورات السياسية لتسويق رؤيته. 

الإعلان عن خطة ترامب بشأن غزة لم يكن فقط محاولة لإعادة تقديم نفسه كـ”صانع صفقات”، بل جاء محاطًا بثلاثة ادعاءات جوهرية خاطئة: الانسحاب الإسرائيلي من غزة عام 2005، اتهام وكالة أونروا بالفساد، وتقدير عدد مقاتلي حماس الذين استشهدوا منذ هجوم “طوفان الأقصى”.

الانسحاب الإسرائيلي.. خلط متعمد بين السبب والنتيجة

أبرز مغالطة وردت في خطاب ترامب تمثلت في زعمه أن انتخاب الفلسطينيين لحركة حماس هو ما دفع إسرائيل إلى الانسحاب من غزة عام 2005، باعتباره خطوة نحو السلام انتهت بالفشل. لكن الوقائع التاريخية تكشف عكس ذلك تمامًا.

فقد نفذت إسرائيل “خطة فك الارتباط الأحادي” بقرار من رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك أرييل شارون، حيث أخلت 21 مستوطنة من القطاع وأربعًا من شمال الضفة الغربية، وسحبت قواتها دون أي تنسيق مع السلطة الفلسطينية. كان الهدف المعلن آنذاك تقليل الأعباء الأمنية والديموغرافية، مع الإبقاء على السيطرة الكاملة على الحدود والمجال الجوي والبحري للقطاع.

 

بعبارة أخرى، لم يكن الانسحاب مكافأة للفلسطينيين أو خطوة متفائلة نحو السلام، بل مناورة سياسية إسرائيلية لتفادي الضغوط الدولية، مع ترك غزة في فراغ سياسي وأمني استغلته حماس لاحقًا. كما أن الانتخابات التشريعية التي فازت بها حماس جرت عام 2006، أي بعد الانسحاب بعام كامل، ما ينقض رواية ترامب تمامًا. وبذلك، فإن ربط الانسحاب بانتخاب حماس لا يعدو كونه إعادة صياغة للتاريخ لتبرير سياسات إسرائيلية سابقة.

أونروا.. استهداف سياسي لا يستند إلى أدلة

ادعاء ترامب الثاني ركّز على اتهام وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) بالفساد، مشيرًا إلى أنه قطع تمويلها لأنها “وكالة فاسدة”. هذا الخطاب ليس جديدًا؛ فقد سبق لترامب أن أوقف الدعم الأميركي للوكالة عام 2018، في خطوة أثارت انتقادات واسعة بوصفها محاولة لتصفية قضية اللاجئين.

لكن الواقع يختلف عن هذا الاتهام المبسط. صحيح أن إسرائيل وداعميها يوجهون اتهامات متكررة لأونروا بزعم تورط بعض موظفيها في أعمال مسلحة، إلا أن التحقيقات الأممية الأخيرة أظهرت أن الشبهات انحصرت في 19 موظفًا فقط، ولم تُثبت بشكل قاطع إلا بحق أقل من نصفهم. وبالمقابل، تضم الوكالة أكثر من 30 ألف موظف يخدمون ملايين اللاجئين الفلسطينيين في غزة والضفة ولبنان وسوريا والأردن.

الأهم أن مراجعة مستقلة بقيادة وزيرة الخارجية الفرنسية السابقة كاترين كولونا عام 2024، أكدت أن أونروا أكثر حيادية من كثير من الوكالات الأممية الأخرى. لذا فإن وصفها بـ”الفاسدة” ليس إلا أداة سياسية لتجفيف مواردها وتقويض دورها في خدمة اللاجئين، تمهيدًا لشطب حق العودة من طاولة المفاوضات. بكلمات أخرى: استهداف أونروا جزء من معركة سياسية لا علاقة له بمكافحة الفساد.

أعداد مقاتلي حماس.. أرقام بلا دليل

أما الادعاء الثالث فكان قول ترامب إن “أكثر من 20 ألف مقاتل من حماس قُتلوا منذ عملية طوفان الأقصى”، وهو رقم يستند بوضوح إلى تقديرات إسرائيلية سبق أن شكك فيها خبراء ومنظمات دولية.

الجيش الإسرائيلي لطالما واجه اتهامات بمبالغة الأرقام لتسويق إنجازات عسكرية، بينما يفتقر لأي آليات تحقق مستقلة تميّز بين المقاتلين والمدنيين. في المقابل، لم تصدر حماس أو جناحها العسكري كتائب القسام إحصاءات رسمية عن خسائرها البشرية، ما يجعل أي أرقام متداولة أقرب إلى “تقديرات دعائية” منها إلى وقائع ميدانية.

من هنا، فإن حديث ترامب لا يضيف معلومة جديدة، بل يكرّر السردية الإسرائيلية التي تهدف إلى إظهار الحركة في حالة انهيار، في حين أن استمرار العمليات النوعية في غزة منذ أكتوبر 2023 يثبت أن القدرات العسكرية لحماس لم تُستنزف بالشكل الذي يروَّج له. وبالتالي، فإن تضخيم الأرقام يخدم غرضًا سياسيًا لإقناع الرأي العام الأميركي والإسرائيلي بأن الحرب تسير نحو أهدافها.

بين الخطاب السياسي والحقائق

تكشف هذه الادعاءات الثلاثة أن خطاب ترامب بشأن غزة ليس مجرد قراءة خاطئة للتاريخ، بل هو جزء من منهج سياسي يخلط بين الدعاية والواقع، وبين التحليل والرغبة في فرض رواية بعينها. فهو يسعى لتسويق خطة بديلة لإدارة القطاع عبر “هيئة انتقالية دولية” وبتعاون عربي–إسلامي، لكنه يفعل ذلك من خلال تحريف الحقائق التاريخية والسياسية والإنسانية.

إن خطورة هذا النهج تكمن في أنه يضفي شرعية على سياسات الاحتلال ويجرّد الفلسطينيين من حقوقهم، سواء عبر شيطنة أونروا، أو عبر إعادة كتابة تاريخ الانسحاب الإسرائيلي، أو عبر تسويق أرقام غير مؤكدة عن خسائر المقاومة. وفي النهاية، فإن أي خطة سلام تبنى على مغالطات ستفشل حتمًا في تحقيق الاستقرار، لأنها لا تستند إلى معالجة جذور الصراع، بل إلى تسويق أوهام سياسية تخدم الاحتلال وتطمس حقوق الضحايا.

اقرأ أيضًا : السودان بين تحذيرات الفيضانات وفشل إدارة ملف سد النهضة.. مصر في مرمى الخطر