تشهد هوليوود موجة غير مسبوقة من الضغوطات ضد الفنانين الذين يجاهرون بدعمهم للقضية الفلسطينية، حيث يتم استبعادهم تدريجيًا من المشهد الفني، في صورة تعيد للأذهان الممارسات القمعية التي شهدتها الولايات المتحدة خلال حقبة المكارثية في الخمسينيات. ووفقًا لتقرير نشرته مجلة ذي نيشين، فإن صناعة السينما الأمريكية باتت تنفذ سياسة الإقصاء الصامت ضد الأصوات المناصرة لحقوق الفلسطينيين، مستخدمة تكتيكات التخويف والرقابة الذاتية لمنع أي تضامن علني مع غزة.
جين فوندا تستذكر “المكارثية” في هوليوود
أثناء تسلمها لجائزة الإنجاز مدى الحياة من نقابة ممثلي الشاشة، استذكرت الممثلة جين فوندا بداية مسيرتها في أواخر الخمسينيات، متحدثة عن تأثير المكارثية على صناعة السينما آنذاك. وقالت:“عندما بدأت مشواري، كانت هوليوود في نهاية حقبة المكارثية التي دمرت العديد من الفرص المهنية. واليوم، يبدو أننا نشهد عودة تلك الأجواء، حيث يتم استبعاد الفنانين بسبب آرائهم السياسية.”
هذه التصريحات جاءت في وقت تصاعدت فيه القيود على الممثلين الذين يجهرون بتضامنهم مع الفلسطينيين، مثل بوبي ليو، التي أكدت أنها لم ترَ في حياتها قمعًا سياسيًا بهذا الشكل، مشيرة إلى أن زملاءها باتوا يخشون التعبير عن مواقفهم خوفًا من العواقب المهنية.
“قائمة سوداء جديدة” لمنع مناصري فلسطين من العمل
لطالما كانت هوليوود مساحة مفتوحة للرأي والتعبير، لكن الوضع بدأ يتغير خلال العام الماضي، حيث أصبح دعم الفلسطينيين مكلفًا مهنياً. الممثلون الذين يعبرون عن آرائهم المؤيدة لفلسطين يجدون أنفسهم عرضة للإقصاء من قبل شركات الإنتاج الكبرى، تمامًا كما حدث في الأربعينيات والخمسينيات، عندما استُخدمت “القائمة السوداء” لمنع المبدعين اليساريين من العمل، بسبب اتهامهم بالشيوعية دون أدلة واضحة.
الممثل أمين الجمل، رئيس لجنة نقابة ممثلي الشاشة وأعضاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أكد أن هناك محاولات منهجية لاستبعاد الفنانين المؤيدين لفلسطين، حيث يتم رفض توظيفهم دون أسباب واضحة. وقال:
“إن المشكلة في صناعتنا أن الاستبعاد يتم بصمت، فلا أحد يخبرك بأنك على القائمة السوداء، ولكن فجأة تتوقف عروض العمل، ويتجنبك المنتجون، ويتلاشى وجودك تدريجيًا دون تفسير.”
هجوم سياسي وإعلامي لتكميم الأفواه
الضغوط لم تقتصر على صناعة الترفيه فقط، بل امتدت إلى الساحة السياسية والإعلامية. ففي واشنطن، عقد الكونغرس جلسات استماع تستهدف الأكاديميين والفنانين الذين يعبرون عن مواقف مؤيدة لفلسطين، في محاكاة لجلسات لجنة الأنشطة غير الأمريكية التي شهدتها أمريكا خلال الحرب الباردة.
وتشير التقارير إلى أن هذه الضغوط تأتي في سياق أوسع من القمع الموجه ضد الحراك المؤيد لفلسطين، حيث شهدت الولايات المتحدة قرارات بفصل أساتذة جامعات، وتهديدات بترحيل طلاب دوليين بسبب مشاركتهم في الاحتجاجات ضد العدوان الإسرائيلي على غزة.

حملات تصفية مهنية لمعارضي الاحتلال
الحالات التي تثبت التهميش والإقصاء تتزايد يومًا بعد يوم. الممثلة سوزان ساراندون فقدت وكالتها التمثيلية بعد تصريحاتها المؤيدة للفلسطينيين، بينما تم فصل ميليسا باريرا من سلسلة أفلام Scream بعد نشرها منشورات تدين جرائم الاحتلال في غزة. كما فقد الممثل والناشط كيندريك سامبسون مشاريع فنية عديدة، بعد أن رفض حذف منشور على إنستغرام يدين القصف الإسرائيلي لمستشفى في غزة.
سامنون كشف أنه تلقى رسائل مباشرة من جهات مؤثرة في هوليوود تطلب منه التراجع عن دعمه لفلسطين، مهددة بقطع علاقاته المهنية مع الشركات الكبرى. وقال في تصريحاته:
“ما يحدث الآن ليس مجرد تهميش، بل هو إرهاب فكري. يتم الاتصال بمديري الأعمال، ووكلاء الممثلين، وحتى المتبرعين لمنظمتي، للضغط عليّ كي أصمت. هذا لم يحدث حتى خلال أوج حركة Black Lives Matter.”
تنامي الخوف والرقابة الذاتية
الخوف أصبح العامل الرئيسي الذي يحكم تصرفات العاملين في هوليوود. كثير من الممثلين يختارون الصمت، خشية أن ينتهي بهم الحال مثل أقرانهم الذين فقدوا وظائفهم بسبب آرائهم السياسية. وتؤكد بوبي ليو أن العقوبات ضد الفنانين المؤيدين لفلسطين أصبحت أكثر سرية مقارنة بالأشهر الأولى للحرب، حيث يتم التهميش بشكل غير مباشر، دون قرارات رسمية أو بيانات علنية.
وتوضح:
“في بداية الأزمة، رأينا حالات استبعاد علنية مثل طرد ساراندون وباريرا. لكن الآن، باتت الشركات تعتمد أساليب أكثر خفاءً. العقود تُلغى فجأة، والمشاريع تتبخر دون تفسير، والممثلون يجدون أنفسهم بلا عمل، دون أن يكون هناك مستند رسمي يُدينهم.”
إلى أين تتجه هوليوود؟
يبدو أن حرية التعبير في هوليوود باتت انتقائية، حيث يُسمح فقط للأصوات التي تتماشى مع الخطاب السائد. وبينما تُرفع شعارات العدالة الاجتماعية والمساواة في المحافل السينمائية، يتم استبعاد أولئك الذين يجرؤون على انتقاد الاحتلال الإسرائيلي أو الدفاع عن حقوق الفلسطينيين.
يقول أمين الجمل:
“ما نشهده اليوم ليس مجرد حملة عابرة، بل هو تحول جذري في معايير الصناعة. لم نصل بعد إلى مستوى القمع الكامل كما كان في الخمسينيات، لكن الخوف من التحدث بات يهيمن على الجميع. السؤال هو: إلى متى سيستمر هذا القمع، وهل ستقف هوليوود ضد هذا الظلم كما فعلت في الماضي؟”
وفي ظل هذا المشهد، تبقى هوليوود أمام اختبار حقيقي: هل ستظل مساحة للإبداع وحرية التعبير، أم ستتحول إلى أداة سياسية لتكميم الأفواه وقمع الأصوات التي تخرج عن الخط المرسوم؟
اقرأ أيضا: الاحتلال يعترف بإخفاقاته أمام “طوفان الأقصى”: هزيمة عسكرية تكشف عبقرية المقاومة الفلسطينية