كشفت منظمة “هيومن رايتس ووتش” عن سلسلة من الجرائم المروعة التي ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة، عبر استهداف المدارس التي تحوّلت إلى ملاجئ تأوي آلاف العائلات الهاربة من نيران القصف. 

ففي تقريرها الصادر اليوم، أكدت المنظمة أن الضربات الجوية الإسرائيلية استهدفت مئات المدارس دون سابق إنذار، ما أسفر عن مجازر بحق النساء والأطفال، في مشهد يفضح نهجًا عسكريًا يضرب عرض الحائط بكل القوانين الدولية، ويكشف مدى انحطاط منظومة الاحتلال التي لم تكتف بتدمير المنازل والمستشفيات، بل سعت لتجريف آخر ما تبقى من ملاذات مدنية في القطاع المحاصر.

منهجية القتل: كيف حوّلت إسرائيل المدارس إلى أهداف عسكرية؟

منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، شن الاحتلال الإسرائيلي حملة عسكرية دموية على قطاع غزة، استهدفت خلالها الطائرات الحربية أكثر من 500 مدرسة بحسب التقرير، منها ما استخدم كملاجئ للنازحين، ومنها ما كان خارج الخدمة التعليمية بفعل الحرب. منظمة “هيومن رايتس ووتش” وصفت تلك الهجمات بأنها “عشوائية وغير قانونية”، وأكدت أنها وثّقت عشرات الغارات التي وقعت دون وجود أي نشاط عسكري في محيط المدارس المستهدفة.

ضربتا مدرسة “خديجة للبنات” في دير البلح و”الزيتون ج” في غزة مثال صارخ على ذلك، إذ سقط في كل منهما عشرات الضحايا، معظمهم من الأطفال والنساء. ورغم حجم المجازر، لم تقدم سلطات الاحتلال أي دليل على وجود أهداف مشروعة في تلك المواقع.

والمثير للقلق أن هذه الاعتداءات جاءت ضمن استراتيجية موسعة لوصم البنى التحتية المدنية بأنها “أهداف أمنية”، كما كشف تحقيق لموقع “سيحا ميكوميت” العبري، ما يعكس قرارًا عسكريًا منظّمًا باستهداف المدارس تحديدًا، رغم علم القيادة الإسرائيلية بأنها تضم أعدادًا كبيرة من المدنيين.

مجازر بلا إنذار.. والقانون الدولي غائب

واحدة من أبشع مظاهر التوحش الإسرائيلي، بحسب التقرير، تمثلت في تنفيذ الغارات دون أي إنذار مسبق، ما أدى إلى سقوط الضحايا في لحظات نومهم أو أثناء توزيع الغذاء والماء. ناجون من الغارات وصفوا مشاهد مروعة لأشلاء الأطفال وسط الفصول الدراسية، فيما تحدثت منظمة “هيومن رايتس ووتش” عن استخدام قنابل أمريكية الصنع من طراز GBU-39، بدقة عالية، ما يؤكد أن الضربات لم تكن عشوائية بالمعنى التقني، بل موجهة بدقة نحو أهداف مدنية بحتة.

وفي شهادة لناجية من مدرسة الزيتون ج، قالت لقناة “بي بي سي”: “ماذا فعلنا نحن الأطفال؟ على الأقل احموا المدارس. ليس لدينا منازل ولا أمان، حتى المدارس تحولت إلى قبور.”

ورغم هذه الجرائم الصارخة، يواصل المجتمع الدولي، خصوصًا الولايات المتحدة، غض الطرف، ويستمر في تزويد إسرائيل بالأسلحة والغطاء السياسي، ما يجعل الحكومات الداعمة، حسب التقرير، شريكة بشكل مباشر في هذه الانتهاكات التي قد ترقى إلى جرائم حرب أو حتى جرائم إبادة جماعية.

تدمير التعليم: جريمة ضد المستقبل وجيل بأكمله

التقرير لا يقف فقط عند حدود القتل، بل يسلط الضوء أيضًا على الآثار الكارثية لتدمير المدارس والبنية التعليمية. فبحسب تقييم رسمي من مجموعة التعليم في الأراضي الفلسطينية المحتلة، تعرّضت 97% من المدارس لأضرار، ودُمر نحو 76% منها كليًا أو جزئيًا. هذا يعني ببساطة أن جيلًا كاملًا من الأطفال بات مهددًا بفقدان حقه الأساسي في التعليم.

وتحذر “هيومن رايتس ووتش” من أن هذا التدمير المتعمد يمثل جريمة إضافية تستهدف مستقبل المجتمع الفلسطيني، وتكرس دائرة الجهل والفقر، وتعزز سياسات الاحتلال الرامية لتفكيك النسيج الاجتماعي والاقتصادي في غزة.

ولا يقف الأمر عند المدارس، بل يشمل تدمير المرافق التعليمية الأخرى من جامعات ومراكز تدريب، مما يجعل من إعادة الإعمار تحديًا يحتاج لسنوات طويلة في ظل الحصار والدمار.

كما طالبت المنظمة بإحالة هذه الانتهاكات إلى المحاكم الدولية، وتفعيل اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، مشددة على أن استمرار الصمت الدولي هو بمثابة “تفويض مفتوح” لإسرائيل لمواصلة سياساتها التدميرية.

جريمة منظمة بدعم دولي.. من يحاسب القتلة؟

جرائم الاحتلال في غزة تجاوزت حدود المعركة العسكرية، لتصبح عمليات تصفية ممنهجة لكل أشكال الحياة، بدءًا من المنازل وحتى المدارس التي يفترض أن تكون آخر خطوط الأمان للأطفال.

“هيومن رايتس ووتش” في تقريرها، لم تكتف بالإدانة، بل وجهت إنذارًا واضحًا للمجتمع الدولي بأن صمته لا يحمي فقط المجرمين، بل يشجعهم على الاستمرار.

وفي ظل سقوط أكثر من 61 ألف شهيد، ووجود 9 آلاف مفقود، وأكثر من 151 ألف جريح، تبدو المطالبة بالعدالة مسؤولية أخلاقية وإنسانية على كل من يزعم الدفاع عن حقوق الإنسان.

الإبادة الجماعية الجارية في غزة ـ تحت غطاء التحالف الأمريكي الإسرائيلي ـ تفضح مدى زيف النظام الدولي، وتطرح سؤالاً صارخًا: من يوقف هذه المجازر؟ ومن يضع القتلة خلف القضبان؟

وحتى تتحقق الإجابة، تبقى المدارس في غزة شاهدة على مأساة القرن، وصرخات الأطفال تحت أنقاضها صفعة في وجه الضمير العالمي.

اقرأ أيضًا : “جثامين مختفية وأسر مغيبة”.. تقرير حقوقي يفضح جرائم نظام السيسي بحق المعتقلين