أعادت تصريحات ماركو روبيو، وزير الخارجية الأمريكي، فتح واحد من أخطر ملفات النظام الدولي المعاصر: حدود استخدام القوة، ومن يملك حق تقرير الحرب والسلم. فحين يعلن مسؤول أمريكي رفيع أن بلاده “تحتفظ بحق التدخل العسكري في أي مكان بالعالم متى رأت أن أمنها القومي مهدد”، فإن الأمر لا يُقرأ بوصفه تصريحًا عابرًا، بل باعتباره تعبيرًا صريحًا عن ذهنية الاستعلاء الأمريكي وإعادة إنتاج منطق “الدولة فوق القانون”.
التصريحات جاءت في توقيت شديد الحساسية، إذ تتزامن مع تصاعد الانتقادات الدولية لعملية عسكرية أمريكية في فنزويلا انتهت – بحسب الروايات المتداولة – باختطاف الرئيس نيكولاس مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة. خطوة وُصفت من قِبل خبراء قانون دولي بأنها انتهاك صارخ لميثاق الأمم المتحدة، الذي يحظر استخدام القوة أو التهديد بها ضد سيادة الدول.
![]()
منطق القوة بدل القانون
بحسب مختصين، فإن خطاب روبيو لا ينسجم مع الإطار القانوني الناظم للعلاقات الدولية. فـ**ميثاق الأمم المتحدة** يحدد بوضوح حالتين فقط لاستخدام القوة: الدفاع عن النفس في مواجهة هجوم مسلح وشيك، أو صدور تفويض صريح من مجلس الأمن. وهو ما لا ينطبق، وفق أغلب التقديرات القانونية، على الحالة الفنزويلية، ولا على التلميحات الأمريكية المتكررة بشأن غرينلاند.
روبيو أدلى بتصريحاته خلال مؤتمر صحفي أعقب إحاطة مشتركة مع وزير الدفاع الأمريكي أمام الكونغرس. ورغم محاولته الإيحاء بأن الدبلوماسية لا تزال الخيار المفضل، إلا أنه سرعان ما قوض هذا الخطاب بتأكيده أن الرؤساء الأمريكيين “يحتفظون دائمًا بخيار التحرك العسكري”، ليس في سياق إقليمي أو حالة استثنائية، بل كحق عالمي مفتوح.
فنزويلا نموذجًا لـ«التدخل المعلّب»
في تبريره للعملية ضد فنزويلا، أعاد وزير الخارجية الأمريكي إنتاج الرواية التقليدية ذاتها: تهديدات أمن قومي، شبكات تهريب مخدرات، وخطر على الاستقرار الإقليمي. غير أن هذه المبررات، بحسب قانونيين دوليين، تفتقر إلى أدلة علنية موثوقة، وتُستخدم غالبًا كغطاء سياسي لتدخلات تتجاوز القانون الدولي.
ويرى مراقبون أن ما جرى في فنزويلا يعكس نمطًا أمريكيًا متكررًا، يقوم على إعادة تعريف “التهديد” بشكل فضفاض، يسمح لواشنطن بتوسيع دائرة التدخل متى شاءت، دون اكتراث حقيقي بشرعية دولية أو إجماع أممي.
غرينلاند.. سيادة تحت التهديد
وفيما يتعلق بغرينلاند، تجنّب روبيو الخوض في تفاصيل مباشرة، لكنه أكد أن الجزيرة تُعد “أولوية أمن قومي” للولايات المتحدة، دون استبعاد استخدام القوة. هذا الخطاب أثار قلقًا أوروبيًا متزايدًا، خاصة في ظل موجة رفض واسعة داخل القارة لأي مساس بالسيادة الدنماركية.
محللون يشككون في الادعاءات الأمريكية بوجود تهديد روسي أو صيني مباشر من الجزيرة القطبية، معتبرين أن ما يجري هو صراع نفوذ واستحواذ جيوسياسي، لا علاقة له بالدفاع عن النفس، رغم تكرار الرئيس دونالد ترامب لهذه المزاعم دون تقديم أدلة ملموسة.
تحذيرات قانونية من «تطبيع العدوان»
في هذا السياق، شدد باحث القانون الدولي إدمرڤرسون سانتوس على أن “السيادة لا تُكتسب بالقوة غير المشروعة”، محذرًا من أن مجرد التهديد باستخدام القوة، حتى دون تنفيذ، يُعد خرقًا للمادة (2/4) من ميثاق الأمم المتحدة، خصوصًا إذا ترافق مع ضغوط سياسية أو عسكرية.
بدوره، حذّر أستاذ القانون الدولي في جامعة أمستردام، أندريه نولكامبر، من أن غياب رد أوروبي حازم شجّع واشنطن على المضي في هذا النهج، معتبرًا أن “تطبيع التدخل العسكري كأداة سياسية” لن يظل محصورًا في أمريكا اللاتينية، بل قد يمتد ليطال ملفات أوروبية حساسة، وفي مقدمتها غرينلاند.
إحياء «مبدأ مونرو» بنسخة أكثر عدوانية
ومنذ العملية ضد فنزويلا، اتسعت دائرة الخطاب التهديدي الأمريكي لتشمل دولًا أخرى في أمريكا اللاتينية، مثل المكسيك وكولومبيا، مع تلميحات متكررة تجاه كوبا. ويرى محللون أن واشنطن تعيد إحياء “مبدأ مونرو” ولكن بصيغة أكثر فجاجة، تقوم على الاستعلاء السياسي وشرعنة التدخل بالقوة.
في المحصلة، تكشف تصريحات وزير الخارجية الأمريكي عن أزمة أعمق في بنية النظام الدولي: حين ترى قوة عظمى أنها تملك حق غزو أي دولة باسم أمنها القومي، فإن القانون الدولي يصبح مجرد أداة انتقائية، لا مرجعية ملزمة. وهو مسار، إن استمر، لا يهدد دولًا بعينها فحسب، بل يقوض فكرة النظام الدولي نفسها.
اقرأ أيضا : وزيرة سودانية: جرائم الدعم السريع تتصاعد.. والإمارات شريك خفي في الحرب على الأجساد