وصل وفد قيادي رفيع من حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، اليوم السبت، إلى العاصمة المصرية القاهرة، في إطار مباحثات حساسة تهدف إلى بلورة رؤية للحل الشامل في قطاع غزة.
الوفد الذي يترأسه محمد درويش، ويضم قيادات بارزة مثل خالد مشعل وخليل الحية وزاهر جبارين ونزار عوض الله، بدأ لقاءاته مع المسؤولين المصريين وسط أجواء إقليمية متوترة وضغوط دولية متزايدة لإنهاء الحرب المدمرة على غزة.
ووفق بيان رسمي للحركة، فإن المباحثات تتركز حول وقف فوري للحرب، انسحاب كامل لقوات الاحتلال من القطاع، اتفاق شامل لتبادل الأسرى، وإعادة إعمار ما دمره العدوان.
كما شددت حماس على ضرورة التحرك العاجل لإدخال المساعدات الإنسانية إلى القطاع المحاصر، في ظل تفاقم كارثة الجوع والمرض بسبب سياسة التجويع الإسرائيلية.

مقترح صفقة طويلة الأمد تحت المجهر
وبحسب مصادر مطلعة نقلت عنها وكالات أنباء دولية، يناقش وفد حماس مع الجانب المصري مقترحًا جديدًا يتضمن هدنة تمتد من خمس إلى سبع سنوات، مقابل إطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين المحتجزين في غزة، ووقف العمليات القتالية.
ويأتي هذا التحرك بعد أن رفضت حماس عرضًا إسرائيليًا بوقف مؤقت لإطلاق النار لمدة 45 يوما مقابل إطلاق 10 أسرى فقط، معتبرة أن العرض يفتقر إلى الجدية ولا يستجيب لمتطلبات الشعب الفلسطيني.
رغم هذه التحركات، تبقى إسرائيل، وفق التسريبات، مترددة في الرد على المقترحات، حيث يصر رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو على استمرار العدوان حتى تحقيق “أهدافه”، وأبرزها القضاء على قدرات المقاومة في غزة.
وفي المقابل، تصر حماس على أن أي اتفاق يجب أن يشمل وقفًا دائمًا للحرب، وانسحابًا كاملاً من القطاع، وترتيبات لإعادة الإعمار، برعاية دولية.
مصر.. وسيط أم ذراع للاحتلال؟
غير أن المشهد لا يخلو من التعقيدات، خصوصًا مع الدور المصري الملتبس، فبينما تستضيف القاهرة هذه الجولة من المباحثات باعتبارها “وسيطًا”، تشير مصادر فلسطينية إلى أن النظام المصري، بقيادة عبد الفتاح السيسي، يضغط بشكل غير مسبوق على قيادة حماس لقبول شروط إسرائيلية جوهرها نزع سلاح المقاومة.
السيسي، الذي ينسق بشكل وثيق مع تل أبيب وواشنطن، يتبنى، بحسب هذه المصادر، خطابًا مطابقًا لرؤية الاحتلال: هدنة طويلة مقابل إعادة الإعمار، ونزع تدريجي لسلاح حماس وفصائل المقاومة الأخرى في غزة، عبر ترتيبات أمنية وإدارية تحت غطاء “لجنة إسناد مجتمعي”، وهي صيغة يرى مراقبون أنها محاولة لفرض سلطة بديلة عن المقاومة في القطاع.
ولا يخفى أن السيسي، الذي يعتبر بقاء سلاح المقاومة تهديدًا لأمن إسرائيل حسبما عبر أكثر من مرة، يسعى لاستثمار كارثة غزة في تمرير مشروع سياسي يضمن تهدئة دائمة على حدود إسرائيل الجنوبية، على حساب الحقوق الوطنية الفلسطينية، وعلى رأسها حق مقاومة الاحتلال.
تحديات أمام المقاومة
في هذا السياق، تواجه حماس تحديًا استراتيجيًا بالغ الخطورة: فقبول صفقة تهدئة طويلة الأمد بشروط إسرائيلية قد يؤدي إلى تفكيك بنيتها العسكرية تدريجيًا، وتحويل القطاع إلى كيان منزوع السيادة الأمنية، يتحكم في معابره وموارده الاحتلال وأعوانه الإقليميون.
ورغم الإغراءات التي تطرحها بعض الأطراف، مثل وعود بإعادة إعمار غزة بضخ مليارات الدولارات عبر صندوق دولي، إلا أن الحركة تبدو حذرة للغاية. فهي تدرك أن القبول بمسار يفضي إلى نزع سلاحها تدريجيًا سيعني نهاية مشروع المقاومة المسلحة الذي تمثله، ليس فقط في غزة، بل في الوعي الجمعي الفلسطيني.
المشهد إلى أين؟
بينما تستمر اللقاءات في القاهرة، تبدو فرص التوصل إلى صفقة شاملة متوازنة صعبة في ظل الفجوة الكبيرة بين مطالب حماس وشروط الاحتلال المدعوم من النظام المصري.
كما أن الضغوط الإقليمية والدولية تضعف موقف الحركة التفاوضي، في وقت يعاني فيه سكان غزة من أوضاع إنسانية كارثية قد تدفعهم إلى المطالبة بأي هدنة توقف آلة القتل.
ومع ذلك، فإن أي اتفاق لا يضمن الحفاظ على سلاح المقاومة وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، سيكون مجرد استراحة مؤقتة قبل جولة جديدة من الصراع، وفق تقديرات مراقبين فلسطينيين.
وفي ظل استمرار الاحتلال في سياسة التجويع، ورفضه تقديم أي تنازلات سياسية حقيقية، تبدو احتمالات التصعيد قائمة، ما لم تفرض المقاومة معادلتها بالقوة أو تجد في موازين القوى الدولية فرصة للضغط على إسرائيل.
اقرأ أيضًا : انتهاكات متصاعدة بالضفة.. وعباس لا يهاجم إلا المقاومة!