يصل المبعوث الرئاسي الأمريكي للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي في زيارة تقول واشنطن إنها تأتي لبحث “الوضع الإنساني في قطاع غزة” الذي يشهد حرب إبادة جماعية مستمرة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ووفق ما نقل موقع “أكسيوس” الأميركي، ستشمل زيارة ويتكوف لقاءً مع رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، كما أنه من المتوقع أن يتفقد ما يُعرف بـ”مؤسسة غزة الإنسانية” المدعومة أميركيًا وإسرائيليًا، والتي تحلّ محلّ المنظمات الدولية في إيصال المساعدات للمدنيين الفلسطينيين.
لكنّ هذه الزيارة، التي تأتي في ظل استمرار المجازر الإسرائيلية وتجويع الفلسطينيين في قطاع غزة، لا يمكن فصلها عن سياق الدعم السياسي والعسكري الذي توفره إدارة الرئيس جو بايدن للاحتلال منذ بدء عدوانه. إذ تتحوّل كل زيارة لمسؤول أميركي إلى أداة ضغط على الفلسطينيين، ووسيلة لتجميل صورة الاحتلال، وليس لإنهاء الجرائم أو تحقيق العدالة.
![]()
المساعدات تحت حراب البنادق.. فصول جديدة من التجويع
تثير زيارة ويتكوف إلى مواقع توزيع المساعدات جدلاً واسعاً في الأوساط الحقوقية، خاصة أن تلك المواقع باتت شاهداً يومياً على جريمة مزدوجة: إذ تطلق قوات الاحتلال النار على الجوعى المصطفين للحصول على ما يسد رمقهم، في سياسة ممنهجة لتحويل المعونات إلى وسيلة إذلال وقتل. ومنذ اعتماد واشنطن وتل أبيب لآلية توزيع “إنسانية” في 27 مايو/أيار الماضي، بقيادة “مؤسسة غزة الإنسانية”، تم استبعاد الأمم المتحدة وكل المنظمات الدولية ذات المصداقية، في خطوة اعتبرها مراقبون جزءاً من مخطط سياسي لخنق القطاع وتطويعه بالقوة الناعمة والخشنة في آنٍ واحد.
ويحتاج قطاع غزة إلى أكثر من 500 شاحنة يومياً من المساعدات الأساسية لإنقاذ الأرواح، بينما لا تسمح إسرائيل إلا بعدد ضئيل منها، وتمنح الضوء الأخضر لعصابات تنهب الشاحنات وتسرق المساعدات، في ظل غياب أي رقابة دولية مستقلة. الأسوأ أن هذه “الإنسانية” التي تُصدّرها أمريكا للعالم ما هي إلا غطاء ناعم لحرب إبادة تُرتكب بوقاحة أمام عدسات الإعلام.
أمريكا.. من الشريك العسكري إلى شريك في التجويع
ليست زيارة ويتكوف حدثًا منفصلًا عن مسار سياسي وعسكري أميركي متكامل في دعم الاحتلال. فمنذ اندلاع العدوان الإسرائيلي على غزة في أكتوبر 2023، قدّمت واشنطن تغطية دبلوماسية كاملة في مجلس الأمن، ورفضت كل المقترحات التي تطالب بوقف إطلاق النار أو فتح ممرات إنسانية آمنة، بل ومنعت إدانات أممية للجرائم الإسرائيلية.
وفضلاً عن ذلك، أرسلت إدارة بايدن ذخائر وقنابل مدمرة للاحتلال، كما سهّلت عمليات إعادة التموين الجوي، وتوفير الدعم اللوجستي، بل وضغطت على بعض الدول العربية لمنع التصعيد السياسي ضد إسرائيل. والآن، وبعد أن كشفت التقارير عن تجاوز عدد الضحايا الفلسطينيين أكثر من 206 آلاف بين شهيد وجريح، تعود أمريكا لتقدم نفسها كوسيط “إنساني”، فيما لا تزال صواريخها تُزهق أرواح الأطفال والنساء.
ولم تتوقف الشراكة الأميركية عند تسليح الاحتلال، بل تحولت إلى شريك مباشر في سياسة التجويع. ففي 2 مارس/آذار الماضي، وبعد إعلان إسرائيل إغلاق جميع المعابر أمام المساعدات، لم تحرّك واشنطن ساكنًا، بل ساهمت في صياغة الآلية الجديدة للمساعدات التي أبعدت كل المنظمات الدولية المستقلة، وأبقت على “مؤسسة غزة الإنسانية” التي تخضع لضوابط أمنية إسرائيلية كاملة، وتعمل ضمن حدود يحددها الجيش.
زيارة شكلية أم إدارة لمسرح الجريمة؟
زيارة ويتكوف، بكل ما تحمله من شعارات، لا تمثل انفتاحًا على حل أو رغبة في إنقاذ ما تبقى من أرواح، بل تعكس مقاربة أميركية تريد السيطرة على المشهد الإنساني بعد أن أصبحت جرائم الاحتلال عبئًا على صورتها في الخارج. فبدلاً من الضغط على إسرائيل لفتح المعابر، ووقف المجازر، وإتاحة وصول المنظمات الدولية للميدان، تريد واشنطن تقديم “نسخة محسنة” من الاحتلال، تطعم من تشاء وتمنع من تشاء، وتوزّع المساعدات تحت كاميرات إعلامية مختارة، لتسوّق صورة خاطئة للرأي العام العالمي.
لكن ما لا تستطيع هذه الزيارة تغطيته، هو الحقيقة الصارخة بأن الفلسطينيين في غزة يُقتلون جوعاً، ويُدفنون تحت الركام، بدعم سياسي وعسكري أميركي، وأن واشنطن لم تتراجع لحظة عن التواطؤ الفج في الجريمة، بل سعت لتجميلها وتثبيت نتائجها.
خاتمة: “ويتكوف” يزور الرماد.. لكن من يحاسب الجناة؟
بينما يجول ويتكوف على مواقع توزيع المساعدات في غزة، تظل الأسئلة الكبرى دون إجابة: من يُحاسب على المجاعة التي أزهقت أرواح المئات؟ من يُسأل عن آلاف المفقودين تحت الركام؟ ومن يحاكم الاحتلال على تحويل الغذاء إلى أداة حرب؟
لا تكفي الزيارات الدبلوماسية ولا كاميرات العلاقات العامة لإخفاء التواطؤ الأميركي في حرب إبادة تُرتكب كل يوم، فالتاريخ سيسجل أسماء الذين موّلوا وسلّحوا وغضّوا الطرف، كما يسجل أسماء من صمدوا في وجه المجاعة والموت. وفي هذه المعادلة، لا يبدو أن أمريكا في صف العدالة، بل في صف الجريمة.
اقرأ أيضًا : بعد فشل “عربات جدعون”.. إسرائيل تتخبط بين الحصار الشامل والتقسيم العسكري