وافقت وزارة الخارجية الأمريكية يوم أمس، 20 مارس/آذار 2025، على صفقة تسليح جديدة لصالح المملكة العربية السعودية، تشمل بيع ما يُعرف بمنظومة “الصواريخ الموجهة الدقيقة ” (APKWS) بقيمة تُقدّر بـ100 مليون دولار. الصفقة تتضمن 2000 صاروخ موجّه بالليزر، مخصصة لمهاجمة الأهداف الجوية والبرية بدقة عالية، وهي تُستخدم عادة في إسقاط الطائرات المسيّرة أو استهداف مركبات وأهداف أرضية متحركة. ووفق بيان وزارة الدفاع الأمريكية، فإن الشركة المصنّعة الرئيسية هي BAE Systems، وقد حصلت هذه الصفقة على موافقة الكونغرس المبدئية.

تأتي هذه الصفقة في لحظة شديدة الحساسية إقليميًا، خاصة في ظل استمرار الهجمات الأمريكية على اليمن، بحجة استهداف الحوثيين، والتي اشتدت مؤخرًا منذ تولي ترامب الحكم مجددًا، وأسفرت عن مقتل عشرات المدنيين خلال الأيام القليلة الماضية. وتُبرَّر هذه الصفقة في الخطاب الرسمي الأمريكي بأنها جزء من “دعم الحلفاء في مواجهة التهديدات”، في إشارة إلى الطائرات المسيّرة الحوثية التي تسببت في اضطراب الملاحة في البحر الأحمر في رد على استمرار العدوان الإسرائيلي على غزة.

لكن خلف هذه الصفقة العسكرية المعلنة، تكمن معادلة أكثر تعقيدًا، تتمحور حول تبادل المال مقابل الشرعية، وتدخّلات عسكرية تُباع كـ”دعم استراتيجي”، بينما تُستخدم في حقيقة الأمر كوسيلة لإبقاء واشنطن في موقع المتحكم الأول بمصير ثروات وأمن الشعوب العربية. فالولايات المتحدة لم تعد تكتفي بلعب دور الحامي العسكري للأنظمة الاستبدادية، بل أصبحت تفرض نفسها شريكًا في القرار السيادي، عبر معادلة تقول: إما أن تبقوا تابعين سياسيًا لنا، أو نرفع أيدينا عنكم أمنيًا.

وليس من قبيل المصادفة أن تكون الشركة المنفذة لهذه الصفقة هي شركة BAE Systems، واحدة من أكبر شركات السلاح في العالم، والتي تُعد شريكًا استراتيجيًا وثيقًا للولايات المتحدة وإسرائيل. هذه الشركة متورطة في صفقات تسليح ضخمة للجيش الإسرائيلي، بما يشمل تطوير أنظمة القتل المتقدمة التي تُستخدم حاليًا في العدوان على غزة، من الصواريخ الموجهة إلى أنظمة الاستهداف الذكية. بمعنى آخر، حين تدفع السعودية 100 مليون دولار لـBAE Systems، فإن جزءًا من هذا المال ينتهي عمليًا في دعم آلة الحرب الإسرائيلية، سواء بشكل مباشر أو من خلال تعزيز الشركة التي تسلّح الطرفين وتحقق أرباحًا من كل الجهات.

هذه الحقيقة تُعيدنا إلى جوهر الإشكالية: الأموال العربية، بدل أن تُستخدم في الدفاع عن قضايا الأمة أو دعم ضحايا الإبادة الجماعية، تُحوّل لشركات غربية تغذي الاحتلال وتقوّي قبضة إسرائيل على الفلسطينيين. وهو ما يعني أن الرياض، من خلال هذه الصفقة، لا تدعم فقط استقرار نظامها، بل تُسهم أيضًا في تمويل القمع والإبادة في فلسطين… بشكل غير مباشر، لكنه واضح لكل من يعرف خريطة المصالح.

النظام السعودي، الذي يواجه أزمة شرعية داخلية بسبب تاريخه الطويل من القمع والانتهاكات لحقوق الإنسان، من قضية جمال خاشقجي إلى سجن النساء والنشطاء وعلماء الدين، لم يجد وسيلة لتجاوز هذا السجل إلا عبر الإغراق المالي المتواصل في خزائن السلاح الأمريكي. لا تُستخدم هذه الصفقات لتعزيز القدرات الدفاعية الحقيقية للمملكة، بل لضمان بقاء الغطاء الأمريكي حاضرًا، حتى وإن كان ذلك على حساب دماء اليمنيين، أو على حساب مزيد من الصمت الأمريكي تجاه السجون المفتوحة داخل السعودية.

الصفقة الأخيرة لا يمكن فصلها كذلك عن السياق السياسي الأوسع: مفاوضات التطبيع الجارية في الخفاء بين الرياض وتل أبيب برعاية واشنطن. وبينما تستمر إسرائيل في عملياتها التدميرية في غزة، وسط صمت رسمي سعودي مخجل، تواصل الرياض تقديم “هدايا استراتيجية” للإدارة الأمريكية، من أجل تأمين مكاسب سياسية، أهمها تسويق نفسها أمام الغرب على أنها شريك يمكن الاعتماد عليه. الأموال التي تُدفع لشراء هذه الأسلحة، يتم استخدامها عمليًا لإراحة إسرائيل: فبدلًا من أن تتحمل تل أبيب تكاليف هجومها على غزة، تتحملها دول مثل السعودية، التي تدفع ثمن السلاح من جهة، وتُسهم في توفير التفرغ الأمريكي الكامل لحماية إسرائيل من جهة أخرى.

هذا النمط من الإنفاق العسكري لا يعكس حرصًا على الأمن القومي، بل خضوعًا تامًا لإملاءات الخارج. فالسعودية لم تستخدم ترسانتها في حماية الشعوب، ولا حتى في حماية الفلسطينيين، بل ساهمت عبر تحالفاتها وصمتها وتمويلها في ترسيخ الانقسام العربي، وتمكين إسرائيل من التوغّل أكثر في الأراضي المحتلة دون أي تكلفة سياسية أو أخلاقية.

ما يحصل اليوم هو استمرار لمسار خطير، تتنازل فيه أنظمة عن استقلالها وقرارها، وتحوّل فيها ثروات شعوبها إلى وسائل ضغط تُستخدم ضد شعوب عربية أخرى. لم تعد صفقات السلاح مجرد أدوات لشراء المعدّات، بل أصبحت واجهات لصفقات سياسية عميقة، يتم من خلالها مقايضة الشرعية بالولاء، والسكوت بالمال، والدعم مقابل التخلي عن القضية الفلسطينية.

في لحظة تتعرض فيها غزة لأبشع أنواع القصف والتجويع، ويُقتل فيها الأطفال بأحدث الأسلحة الأمريكية، لا يبدو أن السعودية تحاول منع ذلك أو حتى الضغط لوقفه. بل على العكس، هي تعمّق ارتباطها بالجهة التي تُمكّن إسرائيل من الاستمرار: الولايات المتحدة. وهذا وحده كافٍ لفهم أن صفقة الصواريخ الأخيرة لا علاقة لها بالدفاع، بل بكل ما هو ضد مصلحة الأمة.