منذ توليه ولاية العهد عام 2017 أشرف ولي العهد السعودي محمد بن سلمان على حملة شاملة من أجل تغيير الصورة النمطية للسعودية في أذهان الغرب، وفي سبيل ذلك وقع صفقات بملايين الدولارات مع كبرى الشركات الاستشارية في الغرب مثل McKinsey وشركات العلاقات العامة مثل Edelman، إذ استخدمهم من أجل “غسل السمعة” لتحويل هويته من هوية ديكتاتورية كليبتوقراطية* إلى نظام مرحب به في مجتمع متطور.
العديد من الدول الاستبدادية الأخرى منخرطة في جهود واسعة لتبييض سمعتها، ولكن حتى بين العالم الأوسع للديكتاتوريات، يقف محمد بن سلمان والنظام السعودي في بداية الصف.
يُعد المجال الرياضي هو الأبرز بين المجالات المتعددة التي تستخدمها هذه الديكتاتوريات ضمن مخططات “غسل السمعة” التي تلجأ إليها للتغطية على جرائمها، وهو ما أطلق عليه الخبراء “الغسيل الرياضي”.
في وقت سابق من هذا العام، أعلن المسؤولون السعوديون عن تمويل بطولة LIV Golf، التي من المقرر أن تكون منافسًا في للبطولة الأشهر PGA ، وقد استقطبت بالفعل بعضًا من أكبر الأسماء في لعبة الجولف مثل Phil Mickelson .
ولكن حتى لو لم تتفوق LIV Golf على PGA ، فإن الدخول المفاجئ للسعودية إلى عالم الجولف مكن محمد بن سلمان بالفعل في جعل المملكة العربية السعودية “شرعية في نظر صناع القرار والحكومات في جميع أنحاء العالم”.
بالإضافة إلى ذلك، هناك اسم آخر مرتبط بكل من LIV Golf وشبكات التأثير الأوسع لمحمد بن سلمان في الخارج: دونالد ترامب، إذ وافق ترامب بالفعل على استضافة بطولتين سعوديتين على الأقل في ملاعبه.
الاتفاق غير مفاجئ لعدد من الأسباب، ليس أقلها تقارب ترامب للثروة الكليبتوقراطية ولعلاقته الحميمة مع محمد بن سلمان، إذ أن العلاقات بين الشخصين ليست سرية، بل تفاخر ترامب حين كان رئيسًا بأنه “أنقذ مؤخرة محمد بن سلمان” إذ أنه دافع عن ضد اتهامات مقتل خاشقجي وحال دون تعرضه للمساءلة.
إلى جانب بطولة الجولف الجديدة، وصلت العلاقات المالية بين ترامب ومحمد بن سلمان إلى مستويات جديدة في وقت سابق من هذا العام، عندما اكتشف الصحفيون أن صهر ترامب جاريد كوشنر قد نجح في الحصول على مليارات الدولارات من التمويل السعودي لشركته الجديدة للأسهم الخاصة.
في حين أن شركات الأسهم الخاصة الأمريكية كانت منذ فترة طويلة منبوذة للثروة الكليبتوقراطية – ويرجع الفضل في ذلك إلى حد كبير إلى إعفاء دام عقودًا من الضوابط الأساسية لمكافحة غسيل الأموال – فإن الصفقة بين كوشنر والسعوديين تعمل على إحداث أعماق جديدة كليبتوقراطية.
تُعد الصفقة أكبر بكثير من أي شيء حصل عليه أي مسؤول أمريكي سابق أو أحد أفراد الأسرة من نظام ديكتاتوري، كما أن تفاصيل الصفقة تجعلها تبدو أسوأ بطريقة ما.
عرض كوشنر بشكل صريح الوصول السياسي كجزء من الصفقة، ولم يفعل أكثر من مجرد الإشارة إلى الوصول إلى ترامب كسبب للاستثمار في شركة الأسهم الخاصة.
كان العرض غير دقيق لدرجة أن اللجنة السعودية التي تفحص الاستثمارات اعترضت بشكل صريح، لأسباب ليس أقلها “مخاطر العلاقات العامة” التي يمكن أن تأتي مع الصفقة، لكن محمد بن سلمان تدخل بنفسه ووجه مليارات الدولارات مباشرة إلى شركة كوشنر.
مرة أخرى: لا شيء من هذا يثير الدهشة بشكل خاص، فوفقًا لصحيفة وول ستريت جورنال، فإنه ليس سرًا أن محمد بن سلمان يفضل ترامب على بايدن، بل كشفت مصادر مطلعة أن محمد بن سلمان يسخر من بايدن في السر.
لكن فيما يبدو أن أسباب محمد بن سلمان للقلق من إدارة بايدن تتضاءل يومًا بعد يوم، إذ لم يقتصر الأمر على فشل جهود بايدن لتحويل محمد بن سلمان إلى “منبوذ”، ولكن في الشهر الماضي أعلنت إدارة بايدن أن محمد بن سلمان سيكون محصنًا من أي محاكمة على مقتل خاشقجي.
قوبلت هذه الخطوة بانتقادات واسعة، بما في ذلك من قبل الديمقراطيين أنفسهم، كما غردت لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ “التوصية بالحصانة لأي شخص متواطئ في هذه الجريمة هو خيبة أمل كبيرة… لا يمكن أن يطمئن الحكام المستبدين بأن بإمكانهم الإفلات من مهاجمة وقتل الصحفيين والمعارضين “.
لكن بعد العام الذي مر به محمد بن سلمان، لا يوجد هناك أسباب كي لا يطمئن أنه محصن ضد أي عقاب، لكن إن كان ما حدث مع بن سلمان هو ما تعنيه كلمة “منبوذ”، فلا شك أن سيحب أن يواصل حياته القادمة كـ “منبوذ”!
للاطلاع على النص الأصلي من المصدر اضغط هنا
*الكليبتوقراطية أو حُكم اللصوص هي حكومة يستخدم قادتها الفاسدون السلطة السياسية للاستيلاء على ثروة شعوبهم، عادةً عن طريق اختلاس أو سرقة الأموال الحكومية على حساب عموم السكان. واللفظ مركب من مقطعين باللغة الإغريقية؛ أولهما كلبتو (Κλεπτο) بمعنى لص، وثانيهما قراط (κρατ) بمعنى حُكم، وعادة ما يكون نظام الحكم في تلك الحكومات في الأصل ديكتاتوريًا أو استبداديًا.