في 22 فبراير 2025، ظهر محمود الهباش، مستشار الرئيس الفلسطيني، على قناة “الحدث” ليفاجئ الجميع بتصريحات غير مسبوقة عن حركة حماس. الرجل الذي لم يترك مناسبة إلا وهاجم فيها الحركة ووصفها بالمتمردة والانقلابية وبكافة الأوصاف المنتقصة حتى التي لم ترد على قنوات الاحتلال، تحدث هذه المرة بلغة تصالحية على قناة الحدث التي تفوق القنوات العبرية في عداء المقاومة، مؤكدًا أن حماس جزء من الشعب الفلسطيني، وأنها تعترف بمنظمة التحرير كممثل شرعي، بل واتهم الاحتلال بإشعال الفتنة بين الفصائل الفلسطينية.

حيث قال الهباش: “هناك عنوان شرعي للشعب الفلسطيني يمثل كل الفلسطينيين، نحن هنا لا نتحدث عن خلافات حول التمثيل حتى حركة حماس بالمناسبة تريد أن تدخل إلى منظمة التحرير الفلسطينية، لأنها تؤمن أنها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وبالتالي لا في فوضى ولا شيء من هذا القبيل، لكن هناك من يريد ومن يعمل سواء بسوء نية أو بحسن نية على شق الصف الفلسطيني، على إرباك الحالة الفلسطينية، على إدخال الحالة الفلسطينية في نفق مظلم صنعته إسرائيل، صنعه الاحتلال ويريد أن يحشرنا قسرا فيه”.

التغير الحاد في خطاب الهباش لم يكن معزولًا عن السياق السياسي المتغير، إذ جاء في وقت تعيش فيه السلطة الفلسطينية أسوأ أزماتها منذ تأسيسها، بعد تهميشها التام من المشهد السياسي الإقليمي، ووقف الدعم المالي الأمريكي عنها، ما جعلها تواجه خطر الانهيار التام.

استبعاد السلطة من اجتماع الرياض: رسالة صادمة لعباس

القمة العربية التي انعقدت في العاصمة السعودية الرياض بحضور قادة دول الخليج، مصر، والأردن، لمناقشة إعادة إعمار غزة ومستقبلها السياسي بعد العدوان الإسرائيلي المستمر منذ أكتوبر 2023، لم تكن السلطة الفلسطينية على قائمة المدعوين فيها، في خطوة كشفت حجم التراجع في مكانة سلطة الأمر الواقع في رام الله، وأثارت تساؤلات جدية حول دورها المستقبلي.

لطالما راهنت السلطة على دورها كـ”وسيط” بين الفلسطينيين والإسرائيليين بصفتها المساحة الآمنة للاحتلال، وهي مستعدة طوال الوقت للنيابة عن الاحتلال في جرائمه إن أُمرت بذلك، لكن بعد 15 شهرًا من الحرب الشرسة على غزة، بدأت المعادلة تتغير، المقاومة الفلسطينية، وعلى رأسها حماس، خرجت أقوى رغم كل الدمار، بينما وجدت السلطة نفسها على هامش المعادلة في موقع المتفرج، غير قادرة على التأثير أو فرض أي رؤية سياسية.

واشنطن تقطع الدعم: الطعنة القاتلة

إذا كان استبعاد عباس من اجتماع الرياض مؤشرًا على تراجع مكانته السياسية، فإن قرار الولايات المتحدة بوقف التمويل المخصص للأجهزة الأمنية الفلسطينية كان بمثابة الضربة القاضية، حيث أعلنت الإدارة الأميركية تجميد جميع أشكال الدعم المالي لقوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية، في إطار إعادة تقييم شاملة لعلاقة واشنطن برام الله، في رسالة واضحة لم تعد واشنطن ترى في السلطة طرفًا قادرًا على فرض أي رؤية، أو حتى الحفاظ على نفسه.

في ظل هذه المتغيرات، لم يكن أمام السلطة الفلسطينية سوى محاولة تغيير خطابها السياسي، ولو بشكل مؤقت، لمواكبة الواقع الجديد. وهنا جاءت تصريحات الهباش التصالحية بحق حركة حماس، بعد 15 شهرًا من الهجوم المتواصل عليها منذ بدء العدوان الإسرائيلي على غزة في أكتوبر 2023.

لنتذكر أن الهباش نفسه كان قد وصف حماس سابقًا بأنها “خارج الشرعية”، واتهمها في أكثر من مناسبة بأنها سبب “نكبة” الشعب الفلسطيني، بسبب ما يسميه “الانقلاب” الذي نفذته في 2007. فما الذي تغير ليصبح خطاب السلطة أكثر تصالحًا مع الحركة؟

الواقع أن تصريحات الهباش ليست سوى انعكاس لحالة الضعف التي تعيشها القيادة الفلسطينية، ومحاولة يائسة لاستعادة بعض النفوذ في المشهد الداخلي، بعد أن أصبح واضحًا أن السلطة لم تعد الطرف الأكثر تمثيلًا للفلسطينيين، سواء في غزة أو حتى في الضفة الغربية.

“الحدث” والترويج لخطاب السلطة الجديد

المثير للاهتمام أن قناة “الحدث”، التي استضتفت الرجل وغيره لتكيل الاتهامات بكافة أنواعها للمقاومة وعلى رأسها حركة حماس، لم تكتفِ بعرض تصريحات الهباش، بل قدمتها وكأنها “تحول استراتيجي” في السياسة الفلسطينية، متجاهلة حقيقة أن هذا التحول لم يكن ناتجًا عن قناعة، بل عن أزمة وجودية تعيشها السلطة.

هل انتهى عصر السلطة الفلسطينية؟

ما يجري اليوم ليس مجرد تبدل في خطاب السلطة، بل هو مؤشر على تراجع دورها إلى مستويات غير مسبوقة. منذ تأسيسها بعد اتفاق أوسلو في 1993، كانت قيادة رام الله تراهن على أنها الجسر الوحيد بين الفلسطينيين والعالم، لكن اليوم، ومع صعود المقاومة، وانهيار ثقة الشارع الفلسطيني بالسلطة، وغيابها عن الاجتماعات الإقليمية الكبرى، أصبح من الواضح أن سلطتها على المحك.

تصريحات الهباش ليست سوى محاولة يائسة لكسب الوقت، لكن الزمن تغير، ومن يظن أن بضعة تصريحات دبلوماسية ستعيد السلطة إلى الواجهة فهو واهم.