في خطوة متوقعة تحمل دلالات خطيرة على مستقبل السودان، وقّعت قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي) ميثاقًا مع جماعات سياسية ومسلحة متحالفة معها، لتشكيل ما أسموه “حكومة سلام ووحدة” في الأراضي التي يسيطرون عليها. الميثاق، الذي أُعلن عنه في 22 فبراير 2025 من العاصمة الكينية نيروبي، يدعو إلى إقامة دولة علمانية ديمقراطية لا مركزية، في ظل استمرار الحرب الأهلية التي تعصف بالبلاد منذ قرابة عامين.

هذا الإعلان، الذي جاء بحضور شخصيات مثل عبد العزيز الحلو، زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، لم يكن مجرد تحرك سياسي، بل كشف عن تشكيل كيان سياسي وعسكري موازٍ للسلطة المركزية في الخرطوم، مما يهدد وحدة السودان ويعزز الانقسام الداخلي.

الإمارات.. الدور الخفي في صناعة الانقسام

لم يكن توقيت هذا الإعلان مفاجئًا، خاصة في ظل التقارير المتزايدة حول دور الإمارات في دعم قوات الدعم السريع. فمنذ اندلاع القتال بين الجيش السوداني وقوات حميدتي في أبريل 2023، برزت الإمارات كفاعل رئيسي في الصراع، متهمةً بتقديم دعم عسكري ومالي لقوات الدعم السريع، سواء بشكل مباشر أو من خلال شبكة معقدة من الوسطاء.

تقارير استخباراتية غربية، نشرتها صحيفة نيويورك تايمز ووسائل إعلام أخرى، تحدثت عن وصول أسلحة إماراتية إلى قوات الدعم السريع عبر طرق تهريب تمتد من ليبيا إلى تشاد وصولًا إلى دارفور. الإمارات، التي تُعرف بسياستها القائمة على دعم الميليشيات المسلحة في المنطقة، تبدو وكأنها تعيد تكرار سيناريوهات التدخل في اليمن وليبيا، لكن هذه المرة في السودان، عبر دعم طرف على حساب الآخر، وتعزيز الانقسامات الداخلية لخدمة أجندتها الخاصة.

“حكومة سلام أم مشروع انقسام؟”

الميثاق الذي أُعلن عنه في نيروبي لم يكن مجرد بيان سياسي، بل خطوة واضحة نحو تشكيل كيان موازٍ للحكومة المركزية. فبينما يسيطر الجيش السوداني على الخرطوم وأجزاء من شمال السودان، تسيطر قوات الدعم السريع على معظم دارفور وجزء من كردفان، مما يعني أن السودان أصبح عمليًا مقسمًا إلى مناطق نفوذ متصارعة، يدير كل منها سلطة مستقلة.

إذا كان حميدتي يتحدث عن “حكومة سلام”، فإن الواقع يشير إلى مشروع انفصال جديد يهدد السودان بتكرار سيناريو جنوب السودان، الذي انفصل رسميًا في 2011 بعد سنوات من الحرب الأهلية. الفارق هذه المرة أن الانقسام لا يأتي نتيجة استفتاء شعبي أو مفاوضات سياسية، بل عبر الحرب والميليشيات والدعم الخارجي.

ما وراء الميثاق.. من المستفيد؟

هذه الخطوة تأتي في ظل سياق إقليمي ودولي متشابك، حيث تحاول قوى كبرى إعادة رسم الخرائط السياسية في إفريقيا. السودان، بموارده الغنية وموقعه الاستراتيجي على البحر الأحمر، يمثل ساحة صراع بين قوى إقليمية ودولية، وعلى رأسها الإمارات، التي تسعى إلى تأمين نفوذها عبر دعم القوى التي تضمن مصالحها الاقتصادية والعسكرية.

من جهة أخرى، فإن تشكيل حكومة موازية في مناطق الدعم السريع قد يمنح حميدتي ورقة ضغط سياسية في أي مفاوضات مستقبلية، وقد يكون خطوة استباقية لترسيخ نفوذه كأمر واقع، خاصة إذا استمر الجيش السوداني في إحكام سيطرته على الخرطوم.

 هل يتحول السودان إلى ساحة صراع مفتوح؟

إذا استمرت الأوضاع بهذا الشكل، فإن السودان يواجه خطر التحول إلى دولة فاشلة، حيث تتقاسم الفصائل المسلحة السيطرة على أراضيه، بدعم خارجي يهدف إلى تفتيته بدلًا من توحيده. ما يجري اليوم ليس مجرد نزاع داخلي، بل إعادة تشكيل لمستقبل السودان، بيد أطراف لا ترى في استقراره مصلحة، بل تستثمر في صراعاته لضمان نفوذها.

السؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل ستسمح القوى الإقليمية والدولية بتمرير هذا المشروع الإماراتي والذي يهدد استقرار السودان وينعكس على مصر وكل دول الجوار؟ أم أن هناك تحركات مضادة قد تعيد التوازن إلى المشهد السوداني؟

الأيام القادمة وحدها ستكشف عن المسار الذي سيتخذه هذا الصراع، لكن المؤكد أن السودان يقف اليوم على مفترق طرق خطير، حيث قد يكون المستقبل أسوأ مما يتوقعه الكثيرون.