تأتي تصريحات الأسرى الإسرائيليين، وعلى رأسهم أسير “إليا كوهين”، لتطرح تساؤلات عميقة حول معاني وآثار صفقة “طوفان الأقصى” وتبادل الأسرى بين الطرفين، إذ وصف كوهين تجربته قائلاً: “نجونا بأعجوبة من قصف النفق الذي كنا فيه”، مما يسلط الضوء على بُعد نفسي وسياسي يتجاوز مجرد حادثة إنقاذ فردية.

تُظهر رواية كوهين الواقعة في سياق غارة إسرائيلية أدت إلى انهيار أحد الأنفاق التي كانت تتواجد فيه الأسرى، وكيف أن اللحظات الأخيرة كانت فاصلة بين الحياة والموت.

بين وحشية نتنياهو وإنسانية المقاومة

النجاة في مثل هذه الظروف تُعد معجزة حقيقية تحمل في طياتها رسالة ضمنية وهو ما كشفه الأسير الإسرائيلي الذي تحدث عن حماية المقاومة لهعلى مدار أكثر من 15 شهرا في غزة.

هذا التصريح يُعتبر بمثابة إعلان عن إنسانية المقاومة رغم الظروف القاسية، كما يسلط الضوء على التباين بين أساليب الاحتلال الإسرائيلي وسياسات المقاومة.

ومن الناحية السياسية، يأتي هذا الحدث ضمن دفعة جديدة من صفقة تبادل الأسرى التي نفذتها كتائب الشهيد عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، والتي شهدت تسليم ستة أسرى إسرائيليين أحياء، من بينهم أسيرين محتجزين منذ عام 2014. 

وتُبرز هذه الصفقة استمرار المفاوضات على أرض الواقع بين الطرفين، في ظل اتفاق وقف إطلاق النار الذي بدأ تنفيذه في 19 كانون الثاني/ يناير الماضي، والذي يقسم إلى ثلاث مراحل تستمر كل منها 42 يومًا. 

يأتي الإفراج عن الأسرى ضمن عملية تبادل أكبر تتضمن تسليم آلاف المعتقلين الفلسطينيين والعرب مقابل إطلاق سراح عدد محدود من الأسرى الإسرائيليين أو جثامينهم.

دلالات الحدث

تتجاوز دلالات التصريح مجرد حدث فردي، فهو يشكل رمزًا لمعاناة الأسرى خشية بطش الاحتلال الذي قتل عدد كثيرا من أسراه بسبب القصف العشوائي  

إذ يشعر الأسرى والمجتمع الإسرائيلي في بعض دوائر الفكر أن التعامل مع الأسرى داخل النظام الإسرائيلي لا يوفر لهم الأمان والكرامة التي يحتاجون إليها، فيما تظهر المقاومة اهتمامًا خاصًا بحال الأسرى، وهو ما يُبرز الفارق الواضح بين قسوة سياسات نتنياهو والأساليب الإنسانية التي تعتمدها فصائل المقاومة الفلسطينية.

هذا التباين في المعاملة يُثير تساؤلات حول مدى تأثيره على الرأي العام داخل الاحتلال حيث قد يُعيد التفكير في مفاهيم الأمان والثقة بالمؤسسات الرسمية مقابل الثقة بالقوى المعارضة التي تبدو أكثر تقربًا للإنسانية في ظروف الأزمات.

ومن جهة أخرى، فإن هذه الصفقة تأتي في ظل سياق دولي متوتر، حيث اتُهمت قوات الاحتلال الإسرائيلي، بدعم من الولايات المتحدة، بارتكاب إبادة جماعية في قطاع غزة خلال الفترة من 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 وحتى 19 كانون الثاني/ يناير 2025. 

وأدت هذه العمليات إلى سقوط أكثر من 160 ألف شهيد وجريح فلسطيني، معظمهم من الأطفال والنساء، إضافة إلى أكثر من 14 ألف مفقود. وهذا الواقع المرير يزيد من حدّة الصراع ويجعل من صفقة التبادل خطوة ذات أهمية استراتيجية، ليس فقط لأنها تُعيد لمسائل العدالة والإنسانية، بل لأنها تُظهر مدى التخلف عن معايير الحقوق الأساسية تحت نظام الاحتلال.

كما أن تصريحات الأسرى، التي تنقل مشاعر الخوف من الاحتلال وثقة الناس بالمقاومة، تُعد رسالة مضادة للسياسات الإسرائيلية الرافضة للتفاوض مع قوى المقاومة.

 ففي الوقت الذي يبدي فيه الإسرائيليون خوفهم من أساليب الاحتلال التي تفتقر إلى الإنسانية، يستعرض الأسرى تجربة عملية تثبت أن المقاومة قادرة على تقديم معاملة أفضل تضمن لهم فرصة النجاة والكرامة، ما يعكس صورة إيجابية في أعين الكثير من الفلسطينيين والمجتمع الدولي.

ختامًا، فإن تصاريح أسير “إليا كوهين” لا تقتصر على الإشارة إلى حادثة نادرة لنجاة فردية، بل تُشكل مادة تحليلية تكشف عن أبعاد عدة للصراع، من معاني المقاومة والكرامة الإنسانية إلى تسليط الضوء على الاختلاف الجوهري في معاملة الأسرى بين النظام الإسرائيلي والقوى المقاومة.

وهذا الحدث قد يُعيد رسم خريطة الثقة والتقدير في أوساط المجتمعين الفلسطيني والإسرائيلي، حيث يزداد الضغط الدولي للمطالبة بإنهاء سياسات الاحتلال التي أدت إلى مآسي إنسانية جسيمة، في مقابل نموذج يُظهر فيه المقاومة اهتمامًا واضحًا بحقوق الأسرى وحياتهم

اقرأ أيضًا : عودة طلاب غزة للمدارس.. شعب لا يعرف الانكسار