المؤتمر الوطني السوري.. خطوة نحو الاستقرار ومؤامرات الخارج تتكشف
بعد أكثر من عقد من الدمار والاقتتال، تتنفس سوريا الصعداء أخيرًا مع انطلاق المؤتمر الوطني السوري الذي جمع مئات الشخصيات الوطنية من مختلف المناطق والتوجهات، لوضع خارطة طريق نحو مستقبل سوري جديد بعيدًا عن الاستبداد والطائفية والتدخلات الخارجية. لكن كما هو متوقع، فإن أعداء سوريا في الداخل والخارج لم يقفوا مكتوفي الأيدي، بل تحركوا لمحاولة عرقلة هذا المسار بأي طريقة ممكنة، مستخدمين أدواتهم داخل سوريا لزعزعة الاستقرار وإعادة البلاد إلى الفوضى.
في الوقت الذي اجتمع فيه أكثر من 600 شخصية سورية لوضع أسس النظام الجديد، اختارت بعض الأطراف التواطؤ مع قوى إقليمية ودولية تعمل علنًا وسرًا لإفشال أي محاولة لإعادة بناء سوريا بعيدًا عن النفوذ الأجنبي. الدروز، الذين رفضوا المشاركة، كانوا أداة بيد الإمارات وإسرائيل، في حين أن الإدارة الذاتية الكردية وقوات “قسد” كانت تنفذ الأجندة الإسرائيلية في محاولة لعزل المناطق الشرقية من سوريا عن الحكومة المركزية.
المشاركون في المؤتمر.. ائتلاف وطني من كل المكونات
المؤتمر الذي ينعقد اليوم 25 فبراير 2025، شهد حضور شخصيات وطنية بارزة من جميع أنحاء سوريا، في مقدمتهم أحمد الشرع، والذي يقود المرحلة الانتقالية بعد سقوط نظام الأسد. إلى جانبه، حضرت شخصيات مستقلة، ونشطاء، وعسكريون سابقون، وأكاديميون، وممثلون عن العشائر العربية في الشرق والوسط السوري.
الهدف الأساسي للمؤتمر هو وضع أسس الدستور الجديد، وترتيب المرحلة الانتقالية، والاتفاق على خطة لإعادة الإعمار ودمج الفصائل المسلحة في جيش وطني موحد، بالإضافة إلى تنظيم الانتخابات خلال السنوات الأربع القادمة. الرسالة التي بدء بها المؤتمر كانت واضحة: سوريا الجديدة لكل السوريين، بلا استبداد أو طائفية أو تدخل خارجي.
لكن في مقابل هذا المشهد الوطني، ظهرت مؤامرات الأعداء واضحة، في محاولة لإحباط السوريين وإعادة إنتاج الفوضى.
الدروز.. ورقة الإمارات وإسرائيل لإضعاف سوريا من الداخل
رغم دعوة ممثلي الدروز للمشاركة في المؤتمر، اختارت قياداتهم في السويداء المقاطعة، رافضة الجلوس على طاولة واحدة مع القوى الوطنية السورية لإعادة بناء البلاد. لكن السؤال الأهم: لماذا؟
الإجابة ببساطة تكمن في النفوذ الإماراتي والإسرائيلي، الذي تحول إلى عامل رئيسي في توجيه السياسات الدرزية داخل سوريا. خلال السنوات الأخيرة، لعبت أبوظبي دورًا خبيثًا في دعم الانفصاليين في سوريا، تمامًا كما فعلت في ليبيا واليمن، في محاولة لإفشال أي مشروع وطني مستقل، وإبقاء الدول العربية خاصة تلك التي مر عليها الربيع العربي في حالة ضعف وتفكك.
الدور الإماراتي ظهر بشكل واضح عندما استضافت الشيخ موفق طريف، الزعيم الروحي لدروز فلسطين، في أبوظبي، حيث تم ترتيب موقف السويداء من المؤتمر الوطني السوري. طريف، الذي يتمتع بعلاقات وثيقة مع جهاز “الشاباك” الإسرائيلي، لم يخفِ أبدًا أن إسرائيل تعتبر الدروز ورقة يمكن استخدامها لتحقيق مصالحها في سوريا.
مقاطعة الدروز للمؤتمر لم تكن خيارًا سوريًا، بل كانت قرارًا إماراتيًا – إسرائيليًا مشتركًا، هدفه الضغط على الحكومة الجديدة وخلق بؤر توتر يمكن استغلالها لاحقًا.
الأكراد.. بين العمالة لإسرائيل وأحلام الانفصال
أما الجهة الأخرى التي رفضت المشاركة في المؤتمر، فكانت الإدارة الذاتية الكردية وقوات “قسد”، التي أثبتت مرارًا أنها تنفذ الأجندة الإسرائيلية بحذافيرها.
منذ بداية الحرب في سوريا، لم تخفِ إسرائيل دعمها العلني للأكراد، حيث قدمت تل أبيب المساعدات العسكرية والتدريب لعناصر “قسد”، بل ووعدتهم بدعم مشروعهم الانفصالي في شمال شرق سوريا. الهدف الإسرائيلي لم يكن مجرد دعم جماعة مسلحة، بل تأمين منطقة انفصالية في خاصرة سوريا تبقيها ضعيفة وممزقة لسنوات قادمة.
مقاطعة الإدارة الذاتية الكردية لمؤتمر دمشق كانت جزءًا من هذه الخطة الإسرائيلية، لأن أي استقرار في سوريا يعني انهيار مشروعهم الانفصالي.
القيادة الجديدة في سوريا تدرك جيدًا هذه المؤامرات، ولهذا رفضت السماح لـ”قسد” بفرض شروطها على الدولة السورية. لكن تل أبيب، التي لم تتقبل هذا الموقف، بدأت بالفعل بالضغط على حلفائها في واشنطن لتأخير أي اعتراف دولي بالحكومة الجديدة، في محاولة لمنح قسد فرصة لإعادة ترتيب صفوفها.
الإمارات وإسرائيل.. حلف الشر الذي يحاول خنق سوريا الجديدة
لم يكن مفاجئًا أن تتصدر الإمارات وإسرائيل الجبهة المعادية للمؤتمر الوطني السوري، فهما الدولتان الأكثر استثمارًا في فشل أي مشروع استقلالي عربي.
الإمارات، التي عملت خلال السنوات الأخيرة على دعم الثورة المضادة في كل مكان، لم تستطع أن ترى سوريا تنتقل من حكم استبدادي إلى سلطة وطنية، فحركت عملاءها داخل سوريا لعرقلة المؤتمر ومحاولة إفشاله.
أما إسرائيل، فهي تدرك أن عودة سوريا كدولة قوية ومستقرة يعني انتهاء سنوات الفوضى التي استفادت منها لنهب الجولان وتعزيز نفوذها في المنطقة، ولهذا تدفع بكل قوتها لإبقاء الفوضى مشتعلة.
التنسيق بين الإمارات وإسرائيل في الملف السوري لم يعد خافيًا، بل ظهر بوضوح من خلال:
تمويل الإمارات للقيادات الدرزية المعادية للمؤتمر، دعم إسرائيل المباشر للأكراد وإبقائهم خارج المعادلة الوطنية، ومحاولة عرقلة أي جهود لإعادة الاعتراف بالحكومة السورية الجديدة في المحافل الدولية.
التحدي كبير.. لكن سوريا الجديدة لن تُخدع!
رغم كل هذه المحاولات، فإن سوريا اليوم أقوى من أي وقت مضى، وقد تمكنت من تجاوز أخطر المراحل في تاريخها الحديث.
المؤتمر الوطني السوري هو خطوة أولى في طريق طويل نحو بناء دولة ديمقراطية حديثة، خالية من التدخلات الخارجية والأنظمة العميلة. الأعداء موجودون، ويتربصون، لكن سوريا لن تعود إلى الوراء، ولن تسمح لأي جهة، مهما كانت، بإفساد ما تحقق من إنجازات.
التحدي الحقيقي أمام القيادة الجديدة في دمشق لن يكون فقط في إعادة بناء الدولة، بل في إفشال مخططات الأعداء الذين يريدون بقاء سوريا في حالة ضعف دائم.
لكن رسالة السوريين واضحة: نحن هنا، وسوريا لنا، ولن نسمح لأحد بأن يقرر مستقبلنا بدلاً منا!