كشف تحقيق أجراه موقع عربي بوست عن حملة إلكترونية منظمة تهدف إلى الترويج لرواية إسرائيلية تسعى إلى تبرير التدخل العسكري والسياسي في سوريا بحجة “حماية الأقليات”.
وأكد التحقيق، الذي استند إلى تحليل 20 ألف تغريدة، أن هذه الحملة تقودها حسابات إسرائيلية وحسابات أخرى موالية للنظام السوري المخلوع بشار الأسد، حيث تعمد إلى تضخيم الادعاءات حول وجود توترات طائفية، والترويج لفكرة أن “الأقليات بحاجة إلى حماية إسرائيلية”.
ووفقًا للتحليل، تعمل هذه الحملة على بث معلومات مضللة بشكل ممنهج لإشعال الفتنة الطائفية، مستفيدة من استراتيجيات التلاعب بالمعلومات لنشر سرديات تخدم مصالح الاحتلال الإسرائيلي في سوريا.
كما تسعى إلى تعزيز خطاب يبرر التدخلات الخارجية، ودعم مشاريع تقسيمية تتماهى مع مصالح تل أبيب، لا سيما في جنوب سوريا والمناطق الحدودية مع الجولان المحتل.

شبكة معقدة من الحسابات الوهمية والتضليل الإعلامي
بحسب التحقيق الذي أعده الصحفي مراد القوتلي، فإن الحسابات المشاركة في الحملة تنقسم إلى ثلاث فئات رئيسية: حسابات إسرائيلية، حسابات موالية للنظام السوري المخلوع، وحسابات مجهولة الهوية.
- الحسابات الإسرائيلية: تشمل حسابات رسمية معروفة، وأخرى غير معلنة تديرها مجموعات إسرائيلية متخصصة في الحملات الإعلامية على وسائل التواصل الاجتماعي.
كما تم رصد استخدام حسابات بأسماء عربية لنشر نفس الرسائل، مما يعزز تأثير الحملة ويعطيها طابعًا محليًا.
- الحسابات الموالية للنظام المخلوع: تتألف من حسابات قديمة كانت غير نشطة، لكنها عادت للظهور بعد سقوط الأسد في ديسمبر الماضي، بالإضافة إلى مئات الحسابات الجديدة التي أنشئت منذ بداية 2025، وهدفها نشر معلومات مضللة تخدم السردية الإسرائيلية.
- الحسابات المجهولة: وهي الأخطر، إذ تزعم بعضها أنها تنتمي إلى هويات عراقية أو كردية، وتدّعي أن “الأقليات مضطهدة” وتحتاج إلى الحماية الإسرائيلية.
تعمل هذه الحسابات كحلقة وصل بين الحسابات الإسرائيلية وتلك الموالية للأسد، حيث تقوم بإعادة نشر التغريدات لتعزيز انتشارها، وإيصال الرسائل المستهدفة إلى نطاق أوسع.
ويشير التحقيق إلى أن بعض هذه الحسابات تنشر ما يزيد عن 200 تغريدة يوميًا، وهو مؤشر واضح على استخدام الحسابات الوهمية (Bots) لخلق تفاعل مصطنع مع المحتوى المضلل.
هذا التضخيم لا يتم بشكل عشوائي، بل عبر استراتيجيات منظمة تهدف إلى خداع الرأي العام وإيصال رسائل محددة إلى أكبر عدد ممكن من المستخدمين، مما يعطي انطباعًا زائفًا بوجود دعم شعبي لهذه السرديات.
الاحتلال يستغل الفوضى لترسيخ نفوذها في سوريا
منذ سقوط نظام الأسد، صعّدت إسرائيل تدخلها في جنوب سوريا، حيث نفذت غارات جوية مكثفة على مواقع عسكرية بحجة “منع وصول الأسلحة إلى الإدارة الجديدة”.
في الوقت ذاته، بدأت تل أبيب بالتحرك سياسيًا لتفكيك سوريا عبر دعم مشاريع تقسيمية، خصوصًا في المناطق ذات الأغلبية الدرزية، التي تسعى إسرائيل لاستمالتها تحت ذرائع الحماية.
وقد صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مؤخرًا بأنه “لن يسمح بتهديد الدروز في سوريا”، في إشارة واضحة إلى استعداد إسرائيل للتدخل المباشر في الشؤون السورية.
من جهته، صرح وزير خارجية الاحتلال جدعون ساعر بأن “فكرة سوريا موحدة تحت سيادة كاملة باتت غير واقعية”، مروجًا لمفهوم الحكم الذاتي للأقليات في سوريا، وربما نظام فيدرالي يخدم المصالح الإسرائيلية.
وفي سياق متصل، كشفت صحيفة وول ستريت جورنال عن نية إسرائيل إنفاق مليار دولار على مشاريع إعلامية وعسكرية تهدف إلى تأليب الدروز في سوريا ضد الحكومة الجديدة، وهو ما يتماشى مع حملات التضليل التي كشفها التحقيق، والتي تمهد الأرضية لإضعاف وحدة سوريا الداخلية، وخلق ذرائع جديدة للتدخل الإسرائيلي تحت مسمى “حماية الأقليات”.
الخاتمة: معركة رقمية تهدد استقرار سوريا
يؤكد التحقيق أن هذه الحملة الإلكترونية المضللة ليست مجرد نشاط عشوائي، بل جزء من إستراتيجية أوسع تهدف إلى زعزعة استقرار سوريا بعد سقوط النظام المخلوع.
إذ تسعى إسرائيل إلى توسيع نفوذها في البلاد من خلال تغذية الانقسامات الطائفية، وتبرير التدخل بحجة إنسانية زائفة، بينما الهدف الحقيقي هو تقسيم سوريا وإضعافها بما يخدم أجندة تل أبيب في المنطقة.
في هذا السياق، يحذر الخبراء من خطورة الانسياق وراء مثل هذه الحملات الإعلامية، مؤكدين أن الوعي الرقمي بات ضرورة لحماية السلم الأهلي ومنع التلاعب بالرأي العام.
كما يشددون على ضرورة كشف الجهات التي تقف وراء هذه الحملات ومن يمولها، حتى يتمكن السوريون من الدفاع عن وحدة بلدهم في مواجهة محاولات التفتيت الخارجية.