عندما تُوجَّه الأسلحة إلى الصدور الخطأ.. الاحتلال يراقب ويبتسم

بينما تحلق طائرات الاحتلال الإسرائيلي فوق رؤوسكم، وتدك أراضيكم، وتستبيح سماءكم كما تشاء، لم نسمع منكم سوى تصريحات خجولة، وشجب وإدانة لا تساوي الحبر الذي تُكتب به. لكن عندما يتعلق الأمر ببعضكم البعض، تتحرك المدافع، وتُطلق الصواريخ، وتسفك الدماء بلا حساب. أي عبث هذا؟ وأي كارثة تجرّون أوطانكم إليها؟

أخبار القصف المتبادل بين الجيش السوري وحزب الله على الحدود اللبنانية السورية ـ وإن كانت قد هدأت وتيرتها حاليًآ بعد تسوية أتمنى أن تدوم ـ، وكأن هناك معركة تحرير تجري ضد الاحتلال، بينما الحقيقة هي أن العرب يُقاتلون العرب، والسلاح الموجه إلى قلوب الصهاينة يتم توجيهه إلى صدور الأشقاء.

هذا هو هدف إسرائيل الأكبر، أن يظل العرب منشغلين بالاقتتال الداخلي، وأن يُستخدم السلاح الذي يُفترض أن يكون أداة مقاومة لتصفية الحسابات داخل الصف الواحد، بينما يبقى الاحتلال المستفيد الأكبر، يراقب ويبتسم، ويحصي الأرباح السياسية والعسكرية من هذا الجنون.

حزب الله.. هل أصبح مشروع المقاومة ورقة بيد إيران؟

حزب الله، الذي طالما قدّم نفسه كحركة مقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، بدأ خسارة قيمته وقدره وأخلاقه في اللحظة التي قرر فيها دعم الطاغية المجرم بشار الأسد ضد شعبه، وهو يبدو اليوم غارقًا في معارك جانبية تستهلك طاقاته في صراعات إقليمية، بدلًا من أن تكون بوصلته موجهة نحو تحرير فلسطين.

لقد أصبح واضحًا أن الدعم الإيراني لحزب الله ليس بلا شروط، وأنه في لحظات الحسم يتم استخدامه ليس لمواجهة إسرائيل، بل لحماية نفوذ طهران في المنطقة. فإذا كان هذا الدعم مشروطًا باستخدامه ضد الجيران والإخوة، وليس ضد العدو الحقيقي، فلا خير فيه ولا في سلاحه.

منذ سنوات، يحاول حزب الله ترسيخ وجوده كقوة سياسية وعسكرية مهيمنة في لبنان، لكنه كلما اقترب من هذا الهدف، كلما انحرف عن مسار المقاومة الحقيقي. اليوم، يقصف الجيش السوري، ويقصفه الجيش السوري، في مشهد عبثي كان يمكن تجنبه لو لم تكن الحسابات الخارجية تطغى على الأولويات الوطنية.

الجيش السوري في سوريا الجديدة.. أين كان سلاحك عندما قُصفت دمشق؟

وعلى الجانب الآخر، فإن الجيش السوري، الذي لم يُطلق رصاصة واحدة تجاه الاحتلال الإسرائيلي محافظا على التوازنات السياسية مبتعدا عن الانجرار إلى صراع لا قبل له به بينما يواجه عشرات المشكلات الداخلية والخارجية، نجده اليوم يستخدم القوة العسكرية المفرطة ضد حزب الله، وكأن المشكلة الأكبر ليست إسرائيل، بل العلاقة بين دمشق وبيروت.

لا أحد يدعو الجيش السوري للانبطاح أو قبول انتهاك حقوق الشعب السوري، لكن إذا كانت الحكومة السورية قد امتصت الضربات الإسرائيلية بلا رد، واستخدمت كل الوسائل الدبلوماسية والسياسية لضبط النفس أمام العدوان الصهيوني المتكرر، فلماذا لم تستخدم نفس الحكمة في التعامل مع حزب الله؟ لماذا كان الحل هو القصف المتبادل؟

إذا كان هناك خلاف، فليُحل بالطرق السياسية كما يحدث مع إسرائيل، لا أن يتم اللجوء إلى السلاح في معركة لا فائدة منها سوى خدمة أجندات الاحتلال.

القصف المتبادل.. إسرائيل هي الفائز الوحيد

ما حدث خلال الساعات الماضية ليس مجرد خلاف حدودي عابر بين الجيش السوري وحزب الله، بل هو فصل جديد من فصول الصراعات الداخلية التي تُنهك المقاومة، وتُضعف الصفوف، وتخدم مصلحة العدو، وإسرائيل لا تحلم بأكثر من هذا السيناريو، أن ترى جيرانها يتآكلون من الداخل، دون أن تضطر لإطلاق رصاصة واحدة.

إسرائيل تريد أن يصبح حزب الله عبئًا على سوريا، بدلًا من أن يكون شريكًا استراتيجيًا في مواجهة الاحتلال، وتلعب على الورقة الطائفية بشكل رخيص ومفضوح ويتبعها الحمقى والرعاع من الجانبين دون وعي، وكأن مشاكل الأمة ستنتهي لو حسم الجدل حول صحابة رسول الله وآل بيته الكرام، وهي بلا كلل وعبر وكلائها وشركائها العرب على رأسهم الإمارات تريد أن تجرّ الجيش السوري إلى معارك جانبية، بدلًا من إعادة بناء قوته العسكرية لمواجهة أي تهديد خارجي أو داخلي، وبدلًا من أن تكون الجبهة اللبنانية-السورية خط دفاع موحد ضد الاحتلال، تتحول اليوم إلى بؤرة صراع داخلي تُضعف الجميع، وتُهدد بانفجار أمني يمكن أن يمتد إلى مناطق أخرى.

الحل في السياسة والدبلوماسية لا في السلاح

لا أحد يطالب الجيش السوري بأن يبتلع أي تجاوزات من أي طرف داخلي، ولكن عليه أن يكون حكيمًا في اختيار معاركه. إن الرد العسكري العشوائي لا يخدم هيبته ولا يحقق أهدافه، بل يدفعه إلى فخ حرب داخلية تُضعفه أكثر مما تُقويه.

وكذلك، على حزب الله أن يدرك أن استعداء سوريا لا يخدمه ولا يخدم المقاومة، وأن أي حسابات إقليمية يجب ألا تكون على حساب وحدة الصف، وقد الأوان له أن يبني منهجا جديدا يرسمه هو وفقا لأهدافه وقيمه الوطنية، بالطبع حزب الله يحتاج إلي إيران في ظل الموقف العربي المخزي الذي بالتأكيد لن يدعم مقاومة ولن يجرأ على مواجهة الاحتلال ولو بالوكالة، ولكن يجب أن يدرك حز ب الله أن بناء العلاقة مع إيران يجب أن تكون علاقة الشركاء وليس الأجراء والمرتزقة، يجب أن يملك الحزب قراره وأن يكون الدعم مرتبطا فقط بمواجهة إسرائيل وجرائمها، لا تنفيذ أجندات لا تقل في إجرامها عن جرائم الاحتلال.

سلاحكم لا يُرفع إلا ضد العدو

في وقت يتجدد فيه قصف غزة ويتشدد فيه الحصار عليها، وفي وقت تواصل فيه إسرائيل عملياتها العسكرية ضد سوريا ولبنان، كان الأجدر بالجيش السوري وحزب الله أن يكونا صفًا واحدًا في مواجهة الاحتلال، لا أن ينزلقا إلى صراعات داخلية تُضعف الجميع.

هذه ليست معركتكم، ولا يمكن أن تكون معركتكم. إن كنتم حقًا مقاومين وجيوشا وفصائل حرة، فالسلاح الذي بين أيديكم يجب أن تستخدموه كما تفعل الجيوش وليست الميلشيات والعصابات، ولا يجب أن يُستخدم إلا ضد العدو، وكل ما عدا ذلك هو مجرد خدمة مجانية لإسرائيل، وسقوط في الفخ الذي طالما حاولت نصبه لكم.

وأكرر وسامحوا لغتي .. أوقفوا هذا الجنون أيها الحمقى، فالوطن لا يحتمل المزيد من الطعنات من الداخل، بينما العدو الحقيقي يراقب وينتظر.