في جريمة جديدة تضاف إلى سجل الاحتلال الإسرائيلي الحافل بالانتهاكات الجسيمة، استشهد عدد من الفلسطينيين من بينهم القيادي في حركة المقاومة الإسلامية “حماس” إسماعيل برهوم، عضو المكتب السياسي للحركة، إثر قصف مباشر شنته طائرات الاحتلال على مجمع ناصر الطبي بمدينة خان يونس جنوب قطاع غزة.

الجريمة، التي استهدفت أحد أقسام المستشفى أثناء تلقي برهوم العلاج، أسفرت كذلك عن استشهاد أربعة فلسطينيين آخرين بينهم فتى يبلغ من العمر 16 عامًا، وسقوط عدد من الجرحى من الطواقم الطبية والمدنيين.

وأكدت حركة حماس في بيان نعي رسمي أن برهوم ارتقى شهيدًا “في جريمة اغتيال صهيونية جبانة”، مشيرة إلى أن الاحتلال تعمد استهدافه وهو على سرير الشفاء، في وقت يخضع فيه للعلاج بعد إصابته في وقت سابق، ما يعكس “الاستخفاف الفاضح بكل الأعراف والمواثيق الدولية”.

المستشفيات تحت النار: سياسة ممنهجة لقتل الجرحى والأطباء

الهجوم الإسرائيلي الجديد على المستشفى ليس حدثًا معزولًا، بل هو امتداد لسياسة ممنهجة انتهجها جيش الاحتلال منذ بداية حرب الإبادة على غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، حيث تؤكد وزارة الصحة والمصادر الحقوقية في القطاع أن 34 مستشفى ومرفقًا طبيًا قد تم تدميرها أو إخراجها عن الخدمة بالكامل نتيجة القصف الإسرائيلي المباشر. 

مستشفى ناصر، وهو أحد أكبر المرافق الصحية في جنوب القطاع، كان يقدم الرعاية لآلاف الجرحى والمرضى، ويضم طواقم طبية تعمل على مدار الساعة في ظروف إنسانية قاسية.

الغارة الأخيرة استهدفت الطابق الثاني من المستشفى، ما أدى إلى اندلاع حرائق وسقوط عدد من الجرحى من المرضى والطواقم، إضافة إلى تدمير قسم الجراحة بالكامل، حيث كان يرقد إسماعيل برهوم بعد خضوعه لعملية قبل يومين، وفق ما أفادت به وزارة الصحة. 

وتمكنت الطواقم من انتشال جثمان أحد الشهداء من تحت الأنقاض، بينما لا يزال عدد من المصابين يتلقون العلاج في ظل خطر القصف المتكرر.

الاحتلال يعترف بالجريمة

من جانبه، لم ينكر جيش الاحتلال الإسرائيلي تنفيذ الضربة، بل أعلن بوضوح أنه استهدف “عنصرًا من حماس” كان يعمل داخل المستشفى، محمّلًا الحركة مسؤولية سقوط الضحايا المدنيين، بذريعة أنها تعمل في مناطق مكتظة بالسكان، على حد تعبيره. 

هذه الرواية تتكرر في كل جريمة حرب ترتكبها قوات الاحتلال، لتبرير قصف المنازل والمساجد والمدارس والمستشفيات تحت حجة “وجود عناصر مقاومة”، في انتهاك صارخ لقوانين الحرب واتفاقيات جنيف التي تجرّم استهداف المنشآت الطبية حتى لو وُجد فيها مقاتلون، ما لم تكن تشكل تهديدًا مباشرًا ومسلحًا.

واشنطن على الخط: دعم أمريكي مطلق لتصعيد غير مسبوق

المجزرة الجديدة تأتي في إطار تصعيد عسكري إسرائيلي غير مسبوق، تم بالتنسيق الكامل مع الولايات المتحدة، بحسب ما أكدت وسائل إعلام إسرائيلية، في أكبر خرق لاتفاق وقف إطلاق النار منذ انتهائه في بداية مارس/آذار الجاري.

ورغم التزام حركة حماس بجميع بنود الاتفاق، رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق، استجابة لضغوط اليمين المتطرف داخل حكومته، وبدعم مباشر من واشنطن.

هذا الدعم الأمريكي، السياسي والعسكري واللوجستي، سمح لإسرائيل بالمضي قدمًا في تنفيذ مخطط الإبادة الجماعية في غزة، والتي خلفت حتى الآن أكثر من 163 ألف شهيد وجريح، معظمهم من النساء والأطفال، وفق وزارة الصحة في غزة، إضافة إلى أكثر من 14 ألف مفقود يُعتقد أن غالبيتهم تحت الأنقاض. 

ومنذ فجر الثلاثاء الماضي فقط، قتلت إسرائيل 673 فلسطينيًا وأصابت 1233 آخرين، مما يعكس حجم التصعيد الدموي المستمر.

جريمة حرب مكتملة الأركان: هل سيتحرك العالم؟

استهداف المستشفيات وقتل القيادات السياسية داخلها، ليس فقط جريمة أخلاقية وإنسانية، بل هو انتهاك واضح للقانون الدولي الإنساني، الذي يحظر الاعتداء على المرافق الطبية حتى في أوقات الحرب. 

ومع ذلك، تواصل إسرائيل هذه السياسة في ظل تواطؤ دولي وصمت أممي مخزٍ، يعكس مدى هشاشة النظام الدولي وازدواجية معاييره.

ورغم الكم الهائل من الأدلة على ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة، لم يتحرك المجتمع الدولي سوى ببعض البيانات الخجولة، فيما تمارس واشنطن ضغوطًا لعرقلة أي تحقيق دولي أو قرار أممي يدين جرائم الاحتلال.

مستشفيات غزة في مرمى نيران نتنياهو

اغتيال إسماعيل برهوم داخل مجمع ناصر الطبي لا يعكس فقط وحشية الآلة العسكرية الإسرائيلية، بل يكشف عن تحول المستشفيات في غزة إلى أهداف مشروعة في نظر الاحتلال، في ظل دعم أمريكي مطلق وتجاهل دولي صادم.

ومع كل يوم يمر، تتكشف فصول جديدة من جريمة الإبادة التي تُرتكب ضد شعب أعزل، لا يملك إلا مقاومة الاحتلال والصمود في وجه آلة القتل.

اقرأ أيضًا : مجازر متواصلة في رفح وخانيونس: الاحتلال يصعّد قصفه وسط صمت عربي وتواطؤ دولي