في جريمة جديدة تُضاف إلى سجل الانتهاكات الإسرائيلية بحق الصحافة الفلسطينية، استُشهد الصحفي حسام شبات، المتعاون مع قناة الجزيرة مباشر، اليوم الاثنين، إثر قصف مباشر استهدف سيارته في منطقة جباليا شمالي قطاع غزة. 

شبات، الذي كان يؤدي واجبه المهني في تغطية جرائم الاحتلال، التحق بقافلة الصحفيين الذين ارتقوا منذ بدء العدوان الإسرائيلي على غزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، لترتفع بذلك حصيلة شهداء الأسرة الصحفية إلى 208 صحفيين، بحسب ما أفاد به المكتب الإعلامي الحكومي في غزة.

فيما استشهد الصحفي محمد منصور، مراسل قناة (فلسطين اليوم)، اليوم الإثنين، أيضا بغارة إسرائيلية استهدفت منزلاً في مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة.

استهداف مباشر ورسالة إرهاب ضد الصحافة

الاستهداف الذي أودى بحياة حسام شبات لم يكن عرضيًا، بل جاء في إطار سلسلة متواصلة من عمليات القتل الممنهجة التي تنفذها قوات الاحتلال بحق الصحفيين والعاملين في الحقل الإعلامي في غزة. 

وقد وصف المكتب الإعلامي الحكومي في بيانه هذا الاستهداف بـ”جريمة اغتيال متعمدة”، داعيًا إلى تحقيق دولي مستقل ومحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم. 

كما طالب الاتحاد الدولي للصحفيين واتحاد الصحفيين العرب وكل الأجسام النقابية الصحفية حول العالم باتخاذ موقف واضح وصريح لإدانة ما وصفه بـ”الإرهاب الإسرائيلي المنظم ضد حرية الصحافة”.

اللافت أن استشهاد شبات جاء بعد أقل من ساعة واحدة فقط من نشره على صفحته الشخصية في “فيسبوك” نبأ استشهاد زميله الصحفي محمد منصور، مراسل قناة “فلسطين اليوم”، والذي قُتل في قصف استهدف شقته في مدينة خان يونس جنوب القطاع. وكأن الاحتلال يلاحق الصحفيين بالكلمة والرؤية والصوت، ويجعل من المعلومة تهمة، ومن الكاميرا هدفًا مشروعًا.

50082 شهيدًا.. والصحافة في مرمى النيران

في السياق الميداني الأوسع، تشهد غزة تصعيدًا متواصلًا في القصف الجوي والمدفعي، ما أدى إلى استشهاد 61 مواطنًا خلال الساعات الـ48 الأخيرة، فيما بلغ عدد الجرحى 134 مصابًا، حسب ما أعلنته وزارة الصحة في غزة. 

ولفتت الوزارة إلى أن عددًا غير معلوم من الضحايا لا يزال تحت الأنقاض، في ظل عجز فرق الإنقاذ عن الوصول إليهم، بسبب نفاد الوقود وشلل معدات الدفاع المدني، ما يجعل من كل لحظة تمر فرصة مهدورة لإنقاذ أرواح بريئة.

وبحسب إحصائية وزارة الصحة، فإن عدد الشهداء الإجمالي منذ بدء العدوان في 7 أكتوبر/تشرين الأول بلغ 50082 شهيدًا، في حين وصل عدد الجرحى إلى 113,408 مصابًا. 

أرقام صادمة تُظهر حجم الكارثة الإنسانية التي يواجهها قطاع غزة، فيما لا تزال آلة الحرب الإسرائيلية تمعن في قتل المدنيين وتدمير البنية التحتية، بما في ذلك استهداف الطواقم الطبية والإعلامية.

كتم الحقيقة وتكميم الأفواه

الاستهداف المتواصل للصحفيين في غزة لم يعد مجرد تجاوزٍ لقوانين الحرب أو خرقٍ لاتفاقيات جنيف التي تضمن حماية المدنيين والعاملين في الصحافة، بل بات سياسة ممنهجة هدفها كتم الحقيقة وتغييب الصوت الفلسطيني عن المشهد الإعلامي العالمي. 

حسام شبات، مثل كثيرين قبله، لم يكن يحمل سلاحًا ولا يختبئ في نفق، بل كان يحمل كاميرته، ويبحث عن الحقيقة بين الركام، لينقلها إلى العالم، ومحمد منصور لم يكن دوره إلا نقل الحقيقة التي يخشها الاحتلال

وفي ظل هذا الاستهداف المتكرر، يجد الصحفيون الفلسطينيون أنفسهم في مرمى النيران، دون أن توفر لهم المؤسسات الدولية الحماية الكافية. 

فقد تحولت مهنة الصحافة في غزة إلى عمل بطولي محفوف بالمخاطر، يتطلب شجاعة مضاعفة، ليس فقط في مواجهة الخطر الأمني، بل أيضًا في مقاومة الصمت الدولي والتواطؤ السياسي مع رواية الاحتلال.

وتبقى جرائم الاحتلال بحق الصحفيين –ومن بينهم حسام شبات– شاهدًا على عجز المجتمع الدولي، وانكشاف المعايير المزدوجة التي يتم التعامل بها مع حرية التعبير وحقوق الإنسان. 

فهل ستبقى هذه الدماء الطاهرة مجرد أرقام في تقارير رسمية؟ أم سيأتي اليوم الذي يُحاسب فيه القاتل على جرائمه؟

من يحمي الكلمة؟

رحل حسام شبات ومحمد منصور لكن صوتهما سيظل شاهدًا على جرائم الاحتلال. رحلا وهما يؤديان واجبهما في أصعب الظروف، في منطقة لم تعرف السلام يومًا، لكنها أنجبت أحرارًا لا يخافون الحقيقة. 

وبينما تستمر آلة الحرب في التدمير، تستمر الكاميرات في توثيق المجازر، حتى لا تُنسى، وحتى لا تمر الجرائم بلا عقاب، وفي ظل هذا المشهد الدموي، يبقى السؤال معلقًا: من يحمي الصحفي؟ ومن يحمي الحقيقة؟

اقرأ أيضًا : شهادات من معسكرات الاحتلال: طبيب غزة يُجلد بأسلاك الكهرباء أمام زملائه