في تطور خطير يكشف حجم الانحدار الأخلاقي والسياسي الذي بلغه الاحتلال الإسرائيلي في حربه المستمرة على قطاع غزة، أقر جيش الاحتلال رسميًا، اليوم السبت، باستهداف سيارات إسعاف في حي تل السلطان بمدينة رفح جنوبي القطاع، بزعم أنها كانت “مركبات مشبوهة”.

هذا الإقرار الصادم يأتي بعد أيام من فقدان الاتصال بطواقم الإسعاف والدفاع المدني، والعثور على جثث عدد من أفرادهما مدفونة بجوار عرباتهم المدمّرة، ما اعتبرته حركة المقاومة الإسلامية (حماس) “جريمة حرب موثقة” بحقّ من يفترض أن تكون لهم الحماية وفقًا للقانون الدولي الإنساني.

استهداف الطواقم الإنسانية.. سابقة تكشف وحشية غير مسبوقة

في التفاصيل التي هزّت مشاعر الفلسطينيين والمراقبين على حد سواء، أعلنت طواقم الدفاع المدني والهلال الأحمر الفلسطيني عن تعرضها للاستهداف المباشر من جيش الاحتلال قبل أيام أثناء محاولتها الوصول إلى المدنيين المحاصرين في حي تل السلطان. 

وأفادت الأنباء بأن سيارات الإسعاف والطواقم تم محاصرتها، ثم قُطعت الاتصالات بها بشكل كامل، مما أدى إلى فقدان الاتصال بتسعة مسعفين، قبل أن يتم لاحقًا العثور على جثامين عدد منهم وقد دُفنت تحت الرمال بجانب مركبات الإسعاف التي تحوّلت إلى كتل من الحديد المحترق.

الجيش الإسرائيلي، وفي محاولة للتبرير، زعم أن “بعض المركبات التي تحركت باتجاه الجنود بعد دقائق من قتل عناصر من حماس كانت مثيرة للشبهة”، وأنه “تم فتح النار عليها”، ليتضح لاحقًا – وفق التحقيق الأولي – أنها كانت سيارات إسعاف وشاحنات إطفاء. هذا الاعتراف يُسقط عن الاحتلال أي ادعاء بالتزامه بالقانون الدولي، ويضعه في مواجهة مباشرة مع جرائم حرب موثقة بالأدلة.

حماس: آلة الإرهاب الصهيونية لا حدود لوحشيتها

حركة المقاومة الإسلامية (حماس) لم تلتزم الصمت، بل أصدرت بيانًا ناريًا أكدت فيه أن ما جرى “ليس مجرد حادث عرضي بل جريمة ممنهجة تدل على سياسة ثابتة لدى الاحتلال باستهداف كل ما هو إنساني في غزة”. 

وأضافت أن “ما تم الكشف عنه بعد أيام من فقدان الاتصال بالطواقم، والعثور على جثثهم إلى جوار سياراتهم، يؤكد أن الاحتلال الإسرائيلي ارتكب جريمة بشعة لا يمكن تبريرها أو التغاضي عنها”.

الحركة دعت إلى تشكيل لجنة تحقيق دولية تحت إشراف الأمم المتحدة للكشف عن هذه الجرائم ومحاسبة من وصفتهم بـ”مجرمي الحرب الصهاينة الفاشيين”، معتبرة أن الصمت الدولي على هذه الجرائم يمثل “تواطؤًا مرفوضًا يضع العالم أمام مسؤولية تاريخية”، كما أكدت أن استمرار إسرائيل في استهداف المدنيين وطواقم الإنقاذ على مدى أشهر من الحرب، هو “دليل دامغ على أن آلة الإرهاب الصهيونية لا تعرف حدودًا للوحشية”.

دعم أمريكي للإبادة في غزة ولبنان

بينما ترتكب إسرائيل هذه الجرائم المروعة، لم تُبْدِ واشنطن أي نية للضغط على حليفتها لوقف مجازرها، بل على العكس، جدّدت دعمها الكامل للاحتلال، سواء في غزة أو على الجبهة اللبنانية. 

فبعد أيام من قصف الضاحية الجنوبية في بيروت لأول مرة منذ أشهر، خرجت الخارجية الأميركية لتؤكد “حق إسرائيل في الرد على الصواريخ”، متجاهلة نفي حزب الله مسؤوليته، ومطالبة الحكومة اللبنانية بنزع سلاح الحزب “وكل المنظمات الإرهابية”، حسب وصفها.

هذا الانحياز الأمريكي الفج، يتجاوز مجرد التغطية السياسية، ليصل إلى تقديم غطاء دولي كامل للإبادة الجماعية التي يتعرض لها المدنيون في غزة، والتي أسفرت – منذ استئناف الهجوم الإسرائيلي في 18 مارس/آذار – عن مقتل 896 فلسطينيًا وإصابة 1984 آخرين، معظمهم من النساء والأطفال، وفق إحصاءات وزارة الصحة الفلسطينية.

كما أن الأرقام التراكمية منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 تشير إلى أكثر من 164 ألف شهيد وجريح، إضافة إلى نحو 14 ألف مفقود.

أين المجتمع الدولي من استهداف سيارات الإسعاف؟

أمام هذا الوضع الكارثي، تساءل كثير من المراقبين عن جدوى وجود مؤسسات دولية يُفترض أنها وُجدت لحماية المدنيين ومراقبة التزام الأطراف بالقانون الدولي الإنساني. 

فقد اكتفت الأمم المتحدة بإصدار بيان خجول على لسان منسقها الإنساني في الأراضي المحتلة، توم فليتشر، قال فيه: “إذا كانت المبادئ الأساسية للقانون الدولي لا تزال ذات قيمة، فيتعين على المجتمع الدولي أن يتحرك لضمان احترامها”، دون أي خطوات عملية.

في المقابل، منعت قوات الاحتلال دخول طواقم الإنقاذ مجددًا إلى منطقة تل السلطان، رغم مرافقة من مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، مما يشير إلى أن إسرائيل مستمرة في منع عمليات الإنقاذ، رغم علمها بوجود جثامين لضحايا مدنيين وعمال إغاثة تحت الأنقاض.

استهداف العمل الإنساني.. معركة إسرائيل الجديدة

لم يعد هناك شك بأن الاحتلال الإسرائيلي يخوض حربًا جديدة في غزة، ليست فقط ضد فصائل المقاومة، بل ضد مفهوم الإنسانية نفسه. 

فاستهداف سيارات الإسعاف وشاحنات الإطفاء، وقصف المدارس والمستشفيات والمخيمات، يعكس توجها متعمدا لنزع آخر مظاهر الحياة من القطاع، وتجريد الفلسطينيين من حقهم في تلقي العلاج أو النجاة.

وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل أن استهداف العاملين في المجال الإنساني يُعدّ أحد أشكال جرائم الحرب التي تستوجب المساءلة الدولية، وفق اتفاقيات جنيف. 

ومع ذلك، لا يزال المجتمع الدولي يتعامل مع الجرائم الإسرائيلية بمنطق “الاستثناء”، مما يجعل هذه الحرب واحدة من أكثر الحروب توثيقًا في التاريخ من حيث الجرائم، وأقلها من حيث المحاسبة.

أمام مرأى العالم.. الجريمة مستمرة

في ظل هذا التواطؤ الدولي، والإقرار الإسرائيلي الصريح بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق المدنيين، يبقى السؤال الأكبر: هل سيبقى المجتمع الدولي شريكًا في هذه الجريمة بصمته وتواطئه؟ أم أن فظاعة الصور، ووحشية المجازر، كفيلة بأن توقظ ضمائر العالم قبل أن يفوت الأوان؟ ما يحدث في غزة ليس فقط إبادة جماعية، بل اختبار حقيقي لمصداقية القانون الدولي وجدوى النظام العالمي بأسره.

اقرأ أيضًا :ساندرز يتحدى الإجماع الأمريكي: محاولة لوقف تسليح “إسرائيل” وسط كارثة إنسانية في غزة