في تطور خطير يعكس تصعيد الاحتلال الإسرائيلي الممنهج ضد الأرض الفلسطينية، كشفت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية عن استيلاء سلطات الاحتلال على أكثر من 52 ألف دونم من أراضي الضفة الغربية المحتلة منذ 7 أكتوبر 2023، في ما يعدّ أكبر حملة استيطانية منذ عقود، تأتي في ظل انشغال العالم بالمجازر المستمرة في قطاع غزة.

سياسة “قضم الأرض”

منذ السابع من أكتوبر، وهو التاريخ الذي اندلعت فيه الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، يبدو أن الضفة الغربية تحوّلت إلى ساحة لنهب الأراضي بعيدًا عن الأضواء.

13 أمرًا عسكريًا جديدًا أصدرتها سلطات الاحتلال خلال أقل من ستة أشهر، بهدف إنشاء “مناطق عازلة” حول المستوطنات، والتي سرعان ما تتحول إلى مناطق مغلقة تُمنع على الفلسطينيين، تمهيدًا لضمها لاحقًا إلى المشروع الاستيطاني.

وفي السياق ذاته، أقام الاحتلال 60 بؤرة استيطانية جديدة، في تحدٍ صارخ للقانون الدولي، وبتواطؤ دولي وصمت إقليمي مريب.

الهيئة أوضحت أن 46 ألف دونم من الأراضي تم الاستيلاء عليها خلال عام 2024 وحده، تحت مسميات مختلفة مثل “أراضي دولة” أو “محميات طبيعية” أو بموجب “أوامر عسكرية”، ما يشير إلى اعتماد الاحتلال على أدوات قانونية زائفة لشرعنة نهبه للأرض الفلسطينية، وتحويلها إلى أوراق ملكية مزيفة بيد المستوطنين.

هذا التحايل القانوني لا يُخفي حقيقة أن هذه الأراضي في معظمها أراضٍ خاصة مملوكة لفلسطينيين، كانت تُزرع وتُورّث عبر أجيال، قبل أن تتحوّل إلى “ملك دولة الاحتلال” بقوة البندقية والإدارة العسكرية.

الاستيطان يتضخم والعدوان يتمدد

التحليل الرقمي للمعطيات الصادرة عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان يُظهر ملامح خطة استيطانية كبرى: أكثر من 24 ألف دونم تم الاستيلاء عليها فقط تحت ذريعة أنها “أراضي دولة”، وهي أكبر عملية استيلاء منذ ثلاثين عامًا.

هذه المساحات تُضاف إلى ما تم احتلاله خلال السنوات الماضية، ليرتفع عدد المستوطنين إلى 770 ألفًا يتوزعون على 180 مستوطنة و256 بؤرة غير قانونية، تنتشر على كامل امتداد الضفة الغربية، في محاولة لفصل مدنها وقراها، وتقطيع أوصالها، وحرمان الفلسطينيين من أي إمكانية لإقامة دولة متواصلة جغرافيًا.

الاحتلال لا يكتفي بسرقة الأرض، بل يواصل طرد أصحابها الأصليين عبر سياسات هدم المنازل ومصادرة الممتلكات. 

التقرير أشار إلى إصدار 939 إخطارًا بالهدم أو وقف البناء خلال العام الماضي، منها 60% تركزت في الخليل، بيت لحم، رام الله، والقدس، إلى جانب تنفيذ 684 عملية هدم فعلية، طالت بشكل خاص المناطق المصنفة “ج”، حيث يفرض الاحتلال سيطرته الأمنية الكاملة.

الاحتلال بهذه السياسة لا يكتفي بالاستيطان، بل ينفذ تطهيرًا صامتًا للفلسطينيين من أراضيهم، عبر الطرد التدريجي، وهدم مصادر الحياة، ومصادرة الأراضي الزراعية، وقطع سبل العيش.

عدالة غائبة ومجتمع دولي عاجز

على الرغم من صدور فتوى محكمة العدل الدولية في يوليو 2024 التي اعتبرت الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانوني، وأكدت على وجوب إخلاء المستوطنات، إلا أن الاحتلال استمر في تكريس الأمر الواقع على الأرض، مستندًا إلى دعم سياسي غير مشروط من بعض القوى الكبرى، وعجز الأمم المتحدة عن تنفيذ قراراتها.

الاستيطان الذي تعتبره الأمم المتحدة غير قانوني، بات أداة أساسية في الصراع، حيث يستخدم الاحتلال بناء المستوطنات كوسيلة لفرض الوقائع، ونسف أي إمكانية لحل الدولتين. ومع كل دونم يُصادر، وكل منزل يُهدم، تتآكل آمال الفلسطينيين في مستقبل عادل، ويُثبّت الاحتلال أقدامه أكثر في أرض ليست له.

في ذكرى يوم الأرض، تعود الذاكرة الفلسطينية إلى عام 1976، عندما صادرت “إسرائيل” أراضي الجليل والمثلث، وخرج الفلسطينيون في مظاهرات حاشدة راح ضحيتها الشهداء. 

واليوم، وبعد 49 عامًا، لا تزال الأرض تُصادر، والمشهد يتكرر، لكن على نطاق أوسع وأكثر خطورة، في ظل صمت دولي يثير الشبهات، أمام هذا التصعيد، لا يبدو أن الاحتلال في طريقه للتوقف. 

بل على العكس، يدفع نحو مزيد من التصعيد في الضفة الغربية، ضمن سياسة منهجية تسعى إلى تفريغها من سكانها الأصليين، وربطها بالكامل بالكيان الاستيطاني. 

وما لم يتحرك المجتمع الدولي بجدية، فإن ما تبقى من الضفة قد يُبتلع بالكامل خلال السنوات القليلة المقبلة.

ما يجري في الضفة الغربية ليس مجرد “توسع استيطاني”، بل عملية سرقة منظمة وممنهجة للأرض الفلسطينية، تشكل أحد أركان المشروع الصهيوني منذ بداياته. إنها معركة على الجغرافيا والهوية والوجود، والاحتلال يُدرك أن السيطرة على الأرض هي أولى خطوات فرض الرواية. 

وبينما يُستشهد المئات في غزة، تُصادر الأرض في الضفة، ويُخنق الشعب الفلسطيني بين المطرقة والسندان، بانتظار عدالة غائبة، أو مقاومة لا تنكسر.

اقرأ أيضًا : كيتلين جونستون: “العالم يخسر فلسطين”.. حين تنطق الذات الغربية من قلب الغربة