في واقعة تُسلّط الضوء مجددًا على مستوى الانحدار السياسي الذي بلغته الإمارات في علاقاتها مع الاحتلال الإسرائيلي، كشفت صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية، قبل أي وسيلة إعلام عربية، عن إصدار حكم بالإعدام في الإمارات بحق ثلاثة أشخاص أدينوا باغتيال الحاخام تسفي كوغان، مبعوث حركة “حاباد” المتطرفة والضابط السابق في جيش الاحتلال الإسرائيلي.

لم تصدر الإمارات بيانًا رسميًا. لم تنشر وكالة أنبائها الخبر. لم تنقله أي صحيفة إماراتية بارزة. بل تُرك الإعلان لصحف الاحتلال، لتكون هي أول من يعلم، وأول من يبارك، وأول من يحتفي بحكم إعدام في دولة عربية بحق ثلاثة غير إماراتيين، بتهمة قتل رجل يحمل الجنسية الإسرائيلية ويُعتبر ممثلًا لحركة دينية صهيونية فاعلة في مشروع التهويد العالمي.

من هو الحاخام كوغان ولماذا تتعامل الإمارات مع قضيته بهذا الشكل؟

الحاخام تسفي كوغان، وفق ما نشرته الصحف الإسرائيلية، هو حاخام مزدوج الجنسية، وصاحب باع في الإجرام بحق الفلسطينيين ومبعوث لحركة “حاباد” الصهيونية المتطرفة، التي تُعد واحدة من أكثر الحركات اليهودية انتشارًا وتأثيرًا في العالم، وذات ارتباطات وثيقة بالمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وقد أقام كوغان في الإمارات بعد تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وشارك في تأسيس أنشطة دينية لليهود هناك، بدعم مباشر من سلطات الدولة.

بحسب الرواية الإسرائيلية، تم اغتياله في نوفمبر 2024، في عملية وُصفت بـ”المعقدة”، حيث خُطف من دبي، وتم العثور على جثته لاحقًا في العين، بعد تنفيذ الجريمة من قبل ثلاثة أوزبكيين حسب الإعلام الإسرائيلي الإمارتي، فرّوا إلى تركيا ثم سُلّموا لاحقًا إلى الإمارات.

لماذا تصمت الإمارات وتنطق تل أبيب؟

أكثر ما يثير الريبة في هذه القضية ليس الحكم القضائي في حد ذاته، بل الطريقة التي جرى بها الإعلان عنه. إذ أن الصحف العبرية، وعلى رأسها “يديعوت أحرونوت” و”تايمز أوف إسرائيل”، كانت المصدر الوحيد للمعلومات، بينما لم يصدر عن الجهات الإماراتية أي تعليق، لا وزارة العدل، ولا النيابة العامة، ولا حتى الإعلام الرسمي.

وكأن الخبر ليس من شأن الداخل الإماراتي، ولا من صلاحيات قضائه، بل هو حدث “يخص إسرائيل أولًا”، وعلى مواطنيها أن يعلموا أولًا، قبل أن يصله العرب أنفسهم.

هذا النمط المتكرر من التبعية الإعلامية والسياسية لإسرائيل، يعكس كيف تحوّلت الإمارات، منذ اتفاقيات أبراهام، إلى منصة مكشوفة لخدمة الرواية الصهيونية، لا سيما حين يتعلق الأمر بحماية المصالح الإسرائيلية الأمنية والدينية.

وبينما تتباهى إسرائيل بأن الإمارات أصدرت حكمًا بالإعدام دفاعًا عن أحد مبعوثيها، تصمت الإمارات رسميًا، تاركة التفسير مفتوحًا أمام الجميع.

فهل كان الهدف إجراء سياسي بامتياز، الغرض منه توجيه رسالة طمأنة لتل أبيب بأن أمن الإسرائيليين على أراضيها مقدّس، بل ومحمي بأقصى العقوبات؟ أم أنه رسالة داخلية موجهة لأي طرف يفكر في أن يمسّ بـ”الضيوف الإسرائيليين”، بأن العقوبة ستكون إعدامًا لا أقل؟

الأسئلة كثيرة، لكن ما هو واضح أن القضية لم تُعالج بمنطق السيادة، ولا من منظور العدالة الجنائية المجردة، بل تم التعامل معها كملف سياسي، يدار في غرف التطبيع الخلفية، وتُعلن تفاصيله في وسائل الإعلام الإسرائيلية، لا العربية.

الإعلام الإماراتي.. شاهد ما شافش حاجة

حتى لحظة كتابة هذا التقرير، لم تخرج أي وسيلة إعلام إماراتية رئيسية لتناول الخبر، أو توضيح ملابسات القضية، أو الدفاع عن نزاهة القضاء الإماراتي في مواجهة الاتهامات بأنه أداة في خدمة الشراكة الأمنية مع إسرائيل.

هذا التعتيم المتعمد، وترك الرواية للإعلام العبري، يكشف إلى أي مدى باتت الإمارات تسلّم مفاتيحها الإعلامية والسياسية لشركائها الجدد في تل أبيب. فحين يتعلق الأمر بقضايا تمس إسرائيل، تُصادر الرواية من الداخل، ويُمنح الحصري للصحف العبرية، وكأن الإمارات لا تملك سيادة إعلامية على ملفاتها القضائية.

القضاء  الإمارتي زوج تحت الطلب

ليست هذه المرة الأولى التي تُظهر فيها الإمارات تبعيتها المفرطة لإسرائيل، لكن ما يجعل هذه الواقعة خطيرة هو أنها تمسّ مفصلًا سياديًا: القضاء الجنائي.

ففي الوقت الذي يُحاكم فيه نشطاء إماراتيون بالسجن لعقود لمجرد تعبيرهم عن الرأي، تُصدر أحكام الإعدام سريعًا، ويُعلن عنها في الخارج، فقط حين يتعلق الأمر بحماية إسرائيلي، أو إرسال رسالة طمأنة لتل أبيب.

إن ما يجري اليوم من تحويل القضاء والإعلام والسياسة الخارجية الإماراتية إلى أدوات تخدم أولويات الاحتلال الإسرائيلي، يُشكّل تهديدًا مباشرًا ليس فقط لصورة الإمارات، بل لمفهوم السيادة العربية نفسه، الذي أصبح خاضعًا لمقتضيات “الشراكة الإبراهيمية”.

جدلية الإعدام ومكان المحاكمة

من المفارقات الصارخة أن إسرائيل نفسها لا تطبّق عقوبة الإعدام حتى في جرائم القتل العمد، وهي تحتفظ بهذا المبدأ منذ تأسيسها، باستثناء حالة وحيدة نفّذ فيها حكم إعدام بحق أدولف آيخمان عام 1962. أما اليوم، فإن مجرمي الحرب ومغتصبي الأطفال في الجيش الإسرائيلي لا يُعدَمون، بل يُكافَأون.

فكيف يفهم المراقب أن تُصدر دولة عربية – مثل الإمارات – حكمًا بالإعدام في قضية لا تتبناها إسرائيل داخليًا؟ الجواب ببساطة: لأن إسرائيل أرادت إيصال رسالة قاسية، لكنها لا تملك الوسائل القضائية لفعلها، فأسندت المهمة إلى تابعتها الخليجية التي نفذت ما عجزت هي عن تنفيذه بحكم القانون.

إن ما جرى ليس عدالة، بل عقاب سياسي مُفوض، أرادت به تل أبيب أن تثأر بأدوات غيرها، وأن تُثبت لمواطنيها أن حلفاءها الجدد في الخليج مستعدون للذهاب أبعد مما تفعل هي من أجل حماية “أمنها القومي” – حتى لو تطلّب الأمر إعدام ثلاثة رجال لم تُنشر عنهم بعد محاكمة علنية، ولا تُعرف تفاصيل القضية الكاملة بحقهم.

هكذا تتحول الأنظمة التابعة إلى أدوات للبطش نيابة عن الاحتلال، تنفذ المهمة القذرة التي لا يجرؤ هو على تنفيذها أمام العالم.