في مشهدٍ أثار موجة من الغضب والسخرية على الساحة المصرية والعربية، تداول نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو من التجمعات التي نظّمتها أحزاب موالية للنظام المصري في مدينة العريش، بهدف التعبير عن “رفض تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة”.

لكن بدلًا من أن تعكس هذه الفعاليات تضامنًا جادًا مع معاناة الفلسطينيين تحت القصف الإسرائيلي، ظهرت مقاطع لمظاهر احتفالية ورقص على أنغام الموسيقى، الأمر الذي فُسّر على نطاق واسع باعتباره استهزاءً بآلام أهل غزة، وتكريسًا لاستخدام النظام لهذه القضايا كورقة سياسية دعائية.

الفعالية التي أُفرغت من معناها

رغم أن الإعلان الرسمي للفعالية أكد أنها تأتي في إطار رفض مخططات تهجير أهالي غزة إلى سيناء، فإن ما جرى على الأرض بدا مختلفًا تمامًا.

المشاهد التي ظهرت عبر مقاطع مصورة تُظهر شبانًا يرقصون، وأغانٍ تُبث عبر مكبرات صوت، وأجواء أقرب إلى الاحتفال منها إلى التضامن أو الغضب.

لم يكن هناك حضور ملحوظ لمشاهد تُعبر عن المأساة الإنسانية الجارية على بُعد كيلومترات من العريش، حيث تُسحق غزة تحت القصف وتُحاصر في ظل مأساة إنسانية غير مسبوقة.

هذه الصور أثارت سخطًا واسعًا، واعتبرها كثير من المعلقين “إهانة للدم الفلسطيني”، إذ رأوا أن تحويل الوقفة المفترضة إلى مهرجان رقص إنما يُفرغ رسالة التضامن من محتواها، ويكرّس نهج التزييف الذي دأب عليه النظام المصري في التعامل مع القضايا الكبرى. 

كما تساءل آخرون عن مدى معرفة المشاركين بحقيقة ما يحدث في غزة، بل إن بعض الشهادات ذكرت أن الحشود جرى تنظيمها بشكل موجه، ولم يكن معظم المشاركين يدركون أصلًا طبيعة القضية أو رمزية المكان

دعائية النظام وتزييف الوعي

الانتقادات لم تتوقف عند حدود السخرية من مشاهد الرقص، بل امتدت إلى التشكيك الكامل في دوافع هذه الفعالية، إذ يرى كثير من المراقبين أن هذه التحركات تأتي ضمن السياسة الإعلامية المعتادة للنظام، والتي تهدف إلى تصوير دعم شعبي مزيف لقرارات القيادة، دون أن يكون لهذا الدعم أي أساس حقيقي.

الإعلام الرسمي والمقرّب من السلطة سارع للترويج لصور مختارة بعناية تُظهر حشودًا ترفع الأعلام المصرية والفلسطينية، ولافتات كُتبت بلغات متعددة تحمل شعارات مناوئة للتهجير.

إلا أن هذا الإعلام تجاهل عن عمد مقاطع الفيديو التي انتشرت على نطاق واسع، والتي أظهرت الرقص والاحتفالات. 

وقد حاول إعلاميون تابعون للنظام التقليل من هذه المقاطع، واعتبارها “تشويشًا من منصات معادية”، لكن موجة الغضب الشعبي استمرت على مواقع التواصل الاجتماعي، وأثارت تساؤلات حول مصداقية النظام في التعامل مع القضية الفلسطينية من الأساس.

كما أشار البعض إلى أن هذه الفعاليات تأتي متزامنة مع زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى العريش، برفقة عبد الفتاح السيسي، وهو ما يُرجّح أن الحشد كان جزءًا من استعراض رسمي مدروس، هدفه إظهار تماسك داخلي وتضامن شعبي أمام الضيف الأوروبي، دون الالتفات لحقيقة أن ما يجري في غزة لا يحتمل مثل هذا الاستعراض المسرحي.

تناقض الشعارات مع الواقع ورفض شعبي صامت

في الوقت الذي ظهرت فيه مشاهد الرقص في العريش، كانت غزة تعاني من موجات متتالية من القصف، ونقص في الغذاء والماء والدواء، ما جعل كثيرين يرون في هذا “الاحتفال” ضربًا من الانفصال عن الواقع، بل خيانة رمزية لصوت التضامن الشعبي الحقيقي. 

بعض المعلقين استحضروا مواقف تاريخية للمصريين في دعم القضية الفلسطينية، متسائلين: “هل هذا هو شكل الدعم الجديد؟ رقصٌ على أنقاض غزة؟”

من جهة أخرى، خرجت أصوات من داخل سيناء، وخصوصًا من شيوخ القبائل الذين شاركوا في الفعالية، لتؤكد على موقفهم الثابت الرافض لتهجير الفلسطينيين إلى أراضيهم. 

هؤلاء الشيوخ شددوا على أن سيناء “ليست للبيع ولا للمساومة”، وهو موقف وطني مبدئي يجب أن يُبنى عليه، لكن تسويقه عبر فعاليات ساذجة وموجهة يفقده قيمته ويحوّله إلى مجرد ديكور سياسي.

وفي ظل هذا التناقض الصارخ بين الشعارات والممارسات، يبقى المواطن المصري البسيط، والمتعاطف بالفطرة مع فلسطين، حائرًا بين خطاب رسمي يُدعي التضامن، وسلوك فعلي يُعبر عن برود مقلق تجاه واحدة من أكبر المآسي الإنسانية في التاريخ المعاصر.

التضامن لا يُزيف

إن التضامن مع فلسطين لا يكون عبر كاميرات الإعلام الرسمي أو عبر حشود مُنظمة تفتقد للروح والمعنى، بل عبر مواقف حقيقية تعبّر عن وجدان الشعب المصري وتاريخه الطويل في نصرة قضايا الأمة.

ما جرى في العريش لم يكن مشهد تضامن، بل أقرب ما يكون إلى حفلة علاقات عامة، طغت فيها الموسيقى على صوت المعاناة، وحل فيها الرقص محل الغضب. 

وفي زمنٍ تشتعل فيه غزة تحت القصف، فإن أقل ما يمكن فعله هو احترام دماء الشهداء، لا أن يُحوّل الألم إلى خلفية موسيقية لحملة دعائية جديدة.

اقرأ أيضًا : أمن مشدد وملاحقات واعتقالات: الأردن يُحبط احتجاجاً شعبياً قرب سفارة الاحتلال