في خطوة تحمل دلالات سياسية خطيرة، وتكشف عمق الأزمة السياسية المتفاقمة في تونس، أطلق عدد من الشخصيات الوطنية والسياسية والحقوقية عريضةً علنية تطالب الرئيس التونسي قيس سعيّد بـ”التنحي الفوري”، باعتبار ذلك “مصلحة وطنية عاجلة” لوقف مسار الانهيار المتسارع الذي تشهده البلاد.
هذه الدعوة التي أطلقها الوزير السابق محمد عبو، أحد أبرز الداعمين السابقين لسعيّد، تمثل تحوّلا نوعيّا في موقف الطيف السياسي المدني، وتكشف أن النخبة التونسية لم تعد قادرة على الصمت في وجه ما تصفه بـ”الانغلاق السياسي والتسلط الفردي وتآكل مؤسسات الدولة”.

أزمة حكم غير مسبوقة: سعيّد بين العزلة والفشل
العريضة التي وقع عليها عدد من القضاة والمحامين والحقوقيين والسياسيين، حملت اتهامات مباشرة للرئيس التونسي بالمسؤولية عن الانهيار الشامل لمقومات الدولة، مشيرة إلى أنه “انفرد بالحكم وأقصى جميع المؤسسات، واعتمد على سلوكيات ارتجالية ومتشنجة”.
وأكد الموقعون أن شخصية قيس سعيّد باتت عبئًا على البلاد، وسط اتهامات بعدم الكفاءة و”انعدام الأهلية لقيادة دولة”، في ظل ما وصفوه بـ”أداء مرتبك قائم على نظرية المؤامرة، وهوس دائم بتخوين الخصوم، وتصفية الحسابات السياسية تحت غطاء القضاء”.
كما حملت العريضة إشارات واضحة إلى الانهيار الاقتصادي الذي تمر به تونس، مع ارتفاع التضخم، وانهيار قيمة الدينار، وندرة المواد الأساسية، بالإضافة إلى عزلة خارجية خانقة نتيجة مواقف الرئيس المتشنجة تجاه الدول الصديقة والشركاء الدوليين.
عنف سياسي وقمع ممنهج: الحريات تُجهَز في صمت
لم تكن العريضة بمعزل عن المظالم التي طالت طيفًا واسعًا من المعارضة السياسية والمدنية في تونس، حيث استعرضت كيف خلق قيس سعيّد مناخًا من الخوف وعدم الثقة داخل مؤسسات الدولة، وتسبب في الزج بعدد من الأبرياء في السجون بتهم ملفّقة تحت غطاء “قضاء مُرتهن” و”قوانين استثنائية” تقيد الحريات.
وتأتي هذه الدعوات بالتزامن مع محاكمة عشرات السياسيين والصحفيين ورجال الأعمال، في ما يعرف إعلاميا بقضية “التآمر على أمن الدولة”، وهي المحاكمة التي وصفتها منظمات حقوقية وعائلات المعتقلين بـ”الظالمة” و”المسيّسة”، في ظل غياب الضمانات الدنيا للمحاكمة العادلة.
في هذا السياق، وجهت منظمات حقوقية تونسية ودولية نداءات للإفراج عن المعتقلين السياسيين، مؤكدة أن ما يجري يمثل تهديدا خطيرا لمسار الديمقراطية الذي ضحّى من أجله التونسيون لعقود. وتساءلت منظمة “هيومن رايتس ووتش” عن شرعية استمرار اعتقال شخصيات معارضة دون أدلة ملموسة، مشيرة إلى أن الرئيس يستخدم القضاء كأداة لتصفية الخصوم، وليس لضمان العدالة.
خارطة طريق ما بعد التنحي: هل من أمل في الإنقاذ؟
وفي قراءة جادة لما بعد سعيّد، اقترح الموقعون على العريضة خارطة طريق واضحة، تبدأ بتشكيل لجنة وطنية مكونة من أساتذة قانون وقضاة مستقلين، تشرف على مرحلة انتقالية قصيرة تُفضي إلى انتخابات رئاسية مبكرة، تضمن الشفافية وتكافؤ الفرص، مع حياد كامل لمؤسسات الدولة، وبإشراف رقابي وطني ودولي مستقل.
كما شددت الوثيقة على ضرورة تحصين هذه المرحلة الانتقالية من عودة ممارسات ما قبل 25 يوليو 2021، وإعادة الاعتبار للدستور، مع دعم استقلالية القضاء وتمكينه من محاسبة المتورطين في قضايا الفساد والانتهاكات.
الهدف، كما ورد، ليس فقط إخراج قيس سعيّد من قصر قرطاج، بل إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وترسيخ مناخ آمن يتيح عودة الحياة الاقتصادية والسياسية إلى طبيعتها.
محمد عبو.. من دعم سعيّد إلى المطالبة برحيله
المثير في هذه العريضة أن أبرز مطلقيها هو الوزير السابق محمد عبو، الذي كان من أشد المؤيدين للرئيس سعيّد خلال بداياته، بل وكان أول من طالبه صراحة بتفعيل الفصل 80 من الدستور في يوليو 2021، لقطع الطريق على تغوّل حركة النهضة، وهو ما فعله سعيّد لاحقًا.
لكن عبو انقلب على مواقفه بعد أشهر قليلة من “الانقلاب الدستوري”، معتبرا أن الرئيس استخدم التفويض الشعبي لفرض حكم فردي، وتعطيل مؤسسات الدولة، ومحاصرة القضاء والإعلام.
تصريحات عبو الأخيرة، والتي قال فيها إن “رحيل قيس سعيّد ضرورة وطنية، ولو اقتضى الأمر الخروج للشارع”، تعكس تغير المزاج السياسي العام، وإدراكًا بأن استمرار الرئيس بات “خطرا وجوديا على الدولة”.
تونس على مفترق طرق
بين عريضة التنحي، والانهيار المؤسساتي، وصرخات الحقوقيين، تبدو تونس اليوم على مفترق طرق حاسم. فإما أن يُنصت قيس سعيّد لصوت العقل ويتنحى حفاظا على ما تبقى من الدولة، أو أن يدخل البلد في دوامة صراع طويل قد لا تُحمد عقباه.
إن ما تطالب به العريضة ليس مجرد تغيير رئيس، بل إنقاذ وطن من شبح الانهيار، وإعادة إحياء الأمل في مشروع ديمقراطي حقيقي، طالما حلم به التونسيون. والسؤال الكبير: هل يمتلك قيس سعيّد الشجاعة السياسية لترك كرسي الحكم من أجل الوطن؟ أم أنه سيواصل طريق الانفراد حتى النهاية؟
اقرأ أيضًا : ميتا في خدمة الاحتلال: حذف 90 ألف منشور بناءً على طلب إسرائيل ضمن حملة قمع للمحتوى الفلسطيني