في خطوة تعكس تمسكًا بموقفها التاريخي من القضية الفلسطينية، قررت الحكومة المؤقتة في بنغلاديش إعادة إدراج عبارة “باستثناء إسرائيل” على جوازات سفر مواطنيها، لتمنع بذلك فعليًا السفر إلى تل أبيب.
وقد أصدرت وزارة الداخلية، الأحد، تعميمًا رسميًا يقضي بإعادة تطبيق هذه الصيغة على جوازات السفر الجديدة، ليعود الحظر الذي كان قد أُلغي في عام 2021، إبان حكومة الشيخة حسينة واجد.
القرار، الذي جاء بعد مظاهرة حاشدة تحت شعار “فلسطين حرة” في العاصمة دكا شارك فيها عشرات الآلاف من المواطنين، يُنظر إليه كاستجابة مباشرة لغضب الشارع البنغالي من المجازر المستمرة التي ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة.
كما يعكس تحوّلًا سياسيًا لافتًا من الحكومة الانتقالية نحو إعادة تبني نهج مناهض للتطبيع مع إسرائيل، في وقت تتسابق فيه عدة دول في المنطقة على تعزيز علاقاتها مع تل أبيب.
جدير بالذكر أن الحظر كان ساريًا في بنغلاديش منذ تأسيس الدولة، وكان جواز السفر البنغالي يتضمن عبارة “صالح لجميع دول العالم ما عدا إسرائيل”، إلى أن تم حذفها بشكل مفاجئ في مايو/أيار 2021، وسط تقارير عن ضغوط خارجية، وتزامنًا مع موجة التطبيع التي قادتها الإمارات ثم لحقت بها السعودية والمغرب والسودان.

المظاهرات الشعبية: دكا تنتصر لغزة في زمن الصمت العربي
خلف هذا القرار تقف مظاهرات عارمة خرجت قبل أيام في شوارع دكا، بمشاركة آلاف البنغاليين، الذين رفعوا الأعلام الفلسطينية ورددوا شعارات مناهضة للاحتلال الإسرائيلي ومنددة بالمجازر التي تُرتكب يوميًا في قطاع غزة.
ويبدو أن هذه المظاهرات أعادت تسليط الضوء على القضية الفلسطينية في الوعي الشعبي البنغالي، ودفعت الحكومة الانتقالية لاتخاذ موقف يعكس الإرادة الشعبية.
وقد شهدت المظاهرات دعوات إلى طرد الشركات المتورطة في دعم الاحتلال، ومقاطعة البضائع القادمة من دول مطبعة، بل وصلت بعض اللافتات إلى حد المطالبة بتشكيل لجنة تحقيق في الدعم الخفي الذي كانت تقدمه بعض الجهات البنغالية لتحسين العلاقات مع إسرائيل في فترة سابقة.
ويبدو أن هذه الرسائل الشعبية كان لها أثر مباشر في دفع الحكومة الجديدة نحو تصحيح مسارها السياسي.
تأتي هذه التطورات في وقتٍ تتعرض فيه الحكومة الإسرائيلية إلى عزلة متنامية في بعض الأوساط الدولية، بعد تواتر التقارير عن ارتكابها جرائم حرب في غزة، ما زاد الضغط على الحكومات في الدول ذات الغالبية المسلمة لاتخاذ مواقف أكثر وضوحًا وانحيازًا للمظلومين.
السياسة البنغالية الخارجية: رسائل ضمنية إلى العالم الإسلامي
قرار إعادة إدراج عبارة “باستثناء إسرائيل” لا يحمل فقط دلالة على المستوى المحلي، بل يمثل أيضًا رسالة سياسية إقليمية موجهة للدول الإسلامية التي هرولت للتطبيع مع إسرائيل دون أي ثمن يُذكر للقضية الفلسطينية.
فرغم أن بنغلاديش ليست من الدول المؤثرة سياسيًا على مستوى العالم الإسلامي، إلا أنها تمتلك ثقلًا بشريًا وإسلاميًا لا يُستهان به، حيث يبلغ عدد سكانها نحو 170 مليون نسمة، أغلبهم من المسلمين الذين يُكنّون تعاطفًا كبيرًا مع الفلسطينيين.
وفي هذا السياق، يمكن فهم هذه الخطوة على أنها محاولة لإعادة تموضع بنغلاديش في خارطة القوى الإسلامية الرافضة للتطبيع، في مواجهة المحور الذي تقوده الإمارات والسعودية.
وربما تسعى الحكومة المؤقتة من خلالها إلى كسب تأييد الشارع الداخلي الذي يُبدي حساسية مفرطة تجاه أي تقارب مع الاحتلال الإسرائيلي، خاصة في ظل المشاهد المؤلمة التي تتوالى من قطاع غزة.
ولا يُستبعد أن تسعى بنغلاديش، من خلال هذا الموقف، إلى لعب دور رمزي في إعادة إحياء التضامن الإسلامي مع الفلسطينيين، خصوصًا مع تصاعد الأصوات المنادية بعقد قمم طارئة أو تبني خطوات أكثر صرامة في وجه آلة القتل الإسرائيلية، وهو ما فشلت فيه العديد من الدول الكبرى في العالم الإسلامي.
خلاصة: موقف أخلاقي في زمن الانبطاح السياسي
إعادة إدراج عبارة “باستثناء إسرائيل” على جوازات السفر البنغالية، في هذا التوقيت الحرج، يُعتبر خطوة أخلاقية وشجاعة تعاكس تيار الانبطاح السياسي العربي والإسلامي أمام إسرائيل.
ففي حين اختارت بعض الحكومات التواطؤ أو الصمت، اختارت بنغلاديش، ولو رمزيًا، أن تقف في صف العدالة والكرامة.
هذا القرار يعكس أيضًا حالة وعي شعبي عميق لدى المواطنين البنغاليين، الذين ما زالوا ينظرون إلى القضية الفلسطينية كقضية إنسانية وإسلامية محورية لا يجوز التفريط بها. وهو ما يُعيد التأكيد على أن الشعوب، حتى وإن سكتت الحكومات، قادرة على تحريك البوصلة، وتصحيح المسار، وفرض الحد الأدنى من الكرامة على صنّاع القرار.
اقرأ أيضًا : رغم الاقتحامات واحتلال رفح: المقاومة الفلسطينية تضرب مستوطنة “رعيم” بصاروخ.. والاحتلال يعترف بالاستنفار