في الذكرى الثانية لاعتقاله، خرجت سمية الغنوشي، ابنة المفكر الإسلامي ورئيس حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي، برسالة مصورة كشفت خلالها كواليس اعتقال والدها في ليلة رمضانية قبل عامين، موجّهة انتقادات لاذعة للرئيس التونسي قيس سعيد، الذي وصفته بأنه “حوّل فشله الشخصي إلى فشل دولة كاملة”.

رسالة سمية حملت بين سطورها بعدًا إنسانيًا مؤلمًا، ورسالة سياسية حادة، وسردًا لممارسات قالت إنها تكشف انهيار مؤسسات الدولة التونسية وتحولها إلى أدوات تنكيل سياسي.

 ليلة الاقتحام: لحظة مفصلية في تاريخ الدولة التونسية

تقول سمية الغنوشي إن اعتقال والدها جاء مساء يوم 17 أبريل 2023، في ليلة السابع والعشرين من رمضان، حين اقتحم العشرات من عناصر الأمن منزل العائلة، بعضهم ملثم، وعاثوا فيه تفتيشًا دون أن يعثروا على شيء سوى الكتب والمذكرات.

وتروي بتفصيل دقيق كيف تم اقتياد والدها وهو صائم إلى مركز بوشوشة، أحد أشهر المراكز الأمنية في تونس، والذي اقترن اسمه في ذاكرة التونسيين بـ”القمع والتنكيل”.

الاقتحام، وفق وصفها، لم يكن مجرد إجراء أمني، بل كان فصلاً عبثيًا يكشف استسهال الدولة لاستخدام أدواتها لإهانة الرموز السياسية، وتصفية الخصوم الفكريين.

 “دولة الكذب والدجل”: سميّة تهاجم النظام من بوابة التجربة الأسرية

هاجمت الغنوشي الابنة بشدة القضاء التونسي، الذي وصفته بـ”قضاء التعليمات”، مؤكدة أن والدها قاطع محاكمته منذ البداية لأنها “مسرحية هزلية”، وأن التهم التي وُجّهت إليه – من الإرهاب إلى التآمر – ما هي إلا محاولات يائسة لتبرير الاعتقال السياسي في دولة تنهار مؤسساتها أمام أعين التونسيين.

وأضافت أن الرئيس سعيّد يكنّ حقدًا شخصيًا على والدها، بسبب تاريخه السياسي والفكري الطويل، وشهرته العالمية، وتحوّله إلى أحد أبرز رموز الإسلام السياسي والديمقراطية في العالم العربي.

 تحليل سياسي: ماذا تعني تصريحات سميّة الغنوشي؟

1. الرسالة تمثل إعادة تدوير للمعركة الرمزية

في ظل صمت رسمي على مستوى النظام التونسي، تأتي هذه الرسالة في توقيت بالغ الحساسية، لإعادة إحياء القضية الرمزية للغنوشي داخل الفضاء الإعلامي، خاصة بعد فترة ركود نسبي في المشهد المعارض في تونس.

2. مراهنة على الرأي العام الدولي

خطاب سمية استخدم مفردات قريبة من الخطاب الحقوقي، ما يعكس رهان المعارضة التونسية على الضغط الخارجي، بعد انسداد الأفق السياسي المحلي. عبارة “الدولة تحولت إلى عصابة” ليست فقط تصعيدًا لغويًا، بل استدعاء ضمني لملف حقوق الإنسان في تونس أمام الهيئات الدولية.

3. الغنوشي كرمز يتجاوز المحاكمة

من الواضح أن الرسالة تسعى لتثبيت صورة راشد الغنوشي باعتباره “السجين السياسي الأشهر في الوطن العربي”، وأن الاعتقال أضاف إلى رصيده التاريخي، بدل أن ينهي تأثيره. تقول ابنته: “السجن يُثقل موازين المناضلين”، في تلميح إلى أن الاعتقال قد يكون بداية مرحلة جديدة لا نهايتها.

 المشهد الأوسع: تونس بين الثورة والانقضاض عليها

منذ إعلان قيس سعيّد إجراءاته الاستثنائية في يوليو 2021، تتسارع الاتهامات الموجهة إليه بإعادة إنتاج نظام فردي، مستند إلى أجهزة الدولة لا إلى توافقات ديمقراطية.

تواصل حملة الاعتقالات التي طالت سياسيين، قضاة، إعلاميين، ورجال أعمال، رسم صورة قاتمة عن المشهد السياسي في البلاد، وعن القضاء الذي تصفه المعارضة بأنه بات أداة بيد السلطة التنفيذية.

رسالة سميّة الغنوشي ليست فقط شهادة على لحظة شخصية، بل هي صفعة سياسية موجهة لنظام فقد شرعيته بنظر شريحة واسعة من التونسيين، ورسالة للعالم أن رموز الثورة التونسية يُسجنون، بينما تمر الانقلابات بلا عقاب.

 في عامه الثاني خلف القضبان، لم يُسكت السجن صوت راشد الغنوشي، بل أكسبه مزيدًا من الرمزية، فيما يبقى السؤال الأكبر: هل يستفيق الشعب التونسي من الصدمة؟ أم أن الدولة تسير إلى مزيد من الانغلاق والتسلط؟

اقرأ أيضا: تونس تغرق في قبضة الاستبداد وسط صمت دولي مريب