في تطور جديد يعكس جدية الحكومة السورية الجديدة في التعامل مع بقايا نظام بشار الأسد، أعلنت السلطات في محافظة دير الزور، أمس السبت، إلقاء القبض على العميد صالح محمد البسيس، أحد القيادات الأمنية البارزة في المخابرات الجوية بحلب سابقاً.
الخطوة التي أتت دون تفاصيل موسعة من السلطات، تأتي في إطار حملة أمنية متصاعدة تهدف إلى تفكيك ما تبقى من شبكات النظام المخلوع، والتي يُشتبه في تورطها بمحاولات تقويض الاستقرار الأمني والسياسي في البلاد، بعد الإطاحة بالأسد في ديسمبر 2024.
وبحسب بيان نشرته محافظة دير الزور عبر منصتها على “تيلغرام”، فإن البسيس كان يشغل منصب معاون رئيس فرع المخابرات الجوية في حلب، وقاد خلال فترة خدمته عدة حملات أمنية عنيفة ضد المدنيين، في واحدة من أبرز المحافظات التي عانت من القبضة الأمنية الحديدية لنظام الأسد على مدار سنوات الثورة والحرب.
ورغم أن البيان اكتفى بالإشارة إلى أن البسيس من أبناء قرية عياش في دير الزور، دون توضيح ظروف القبض عليه أو دوافعه الحالية، فإن الرسالة كانت واضحة: لا حصانة لأي شخصية أمنية بارزة في عهد الأسد، مهما كان منصبها السابق أو علاقاتها.

ضربات استباقية: الحكومة الجديدة تواجه مشروع انقلاب
القبض على البسيس ليس معزولاً عن سياق سياسي وأمني أكثر عمقاً، إذ يأتي بعد أيام فقط من إعلان وزير الداخلية السوري، أنس خطاب، عن إحباط “مشروع انقلاب” كان يُعد له ضباط من النظام السابق. وفي سلسلة تدوينات نشرها عبر منصة “إكس”، أوضح خطاب أن هذه المحاولة الانقلابية تم القضاء عليها “بفضل جهود قواتنا وشعبنا”، مشدداً على أن العمل جارٍ على إعادة هيكلة وزارة الداخلية وتوحيد قيادات الشرطة والأمن، في إطار خطة شاملة لاستعادة السيطرة الأمنية ومنع عودة فلول الأسد إلى المشهد.
تصريحات الوزير، وإنْ خلت من التفاصيل الدقيقة حول هوية المتورطين أو موعد إفشال الانقلاب، إلا أنها توحي بوجود نشاط محموم خلف الكواليس من بقايا النظام المخلوع لإعادة التموضع داخل السلطة.
ولا يُستبعد أن يكون اعتقال البسيس مرتبطاً مباشرة بهذه المحاولة، كونه أحد أبرز العقول الأمنية الميدانية التي خدمت في مواقع حساسة.
ووفقاً لمراقبين، فإن خطوة الحكومة في الإعلان عن مشروع الانقلاب المحبط، ثم إعلان القبض على شخصية أمنية بارزة في ظرف أيام، يعكس استراتيجية مدروسة لتوجيه رسائل صارمة لمن تبقى من رموز الأسد داخل البلاد، أو حتى في الخارج، مفادها أن مرحلة الإفلات من العقاب قد انتهت.
تسويات فاشلة ومواجهات أمنية: الفلول تقاوم الانقراض
منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024، بدأت السلطات الجديدة بفتح مراكز تسوية تهدف إلى استيعاب الضباط والجنود السابقين الذين لم يتورطوا في جرائم أو انتهاكات، مقابل تعهدهم بتسليم السلاح وترك العمل الأمني والعسكري.
لكن التجربة أثبتت أن عدداً من قيادات النظام، خاصة من الأجهزة الأمنية الأكثر تورطاً، مثل المخابرات الجوية والعسكرية، رفضت الانخراط في هذه التسويات، بل لجأ بعضها إلى التمرد أو دعم أنشطة مسلحة لخلق حالة من الفوضى.
وقد شهدت مناطق عدة في ريف دمشق، والسويداء، ودير الزور، مواجهات متفرقة بين القوات الحكومية الجديدة ومجموعات مسلحة مرتبطة بالنظام السابق. وتؤكد مصادر أمنية سورية أن هذه المواجهات أسفرت عن تفكيك عدة خلايا كانت تسعى لإثارة قلاقل أمنية، وجرّ البلاد إلى حرب أهلية جديدة.
ويُعدّ فرع المخابرات الجوية الذي خدم فيه البسيس من أبرز الأجهزة الأمنية المتهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة خلال سنوات الثورة، شملت التعذيب، الإخفاء القسري، والقتل خارج نطاق القانون.
ووفق تقارير حقوقية، فإن فرع حلب تحديداً كان من أكثر الأفرع دموية، حيث تم تسجيل آلاف حالات الاعتقال والتصفية خلال سنوات 2012-2016، ما يجعل من اعتقال شخصية قيادية فيه خطوة رمزية لضحايا تلك المرحلة.
الدولة الجديدة تختبر قدرتها على اجتثاث النظام السابق
التحول في سوريا بعد الإطاحة بالأسد لا يمكن قياسه فقط بالإجراءات السياسية والدستورية، بل بما يتم اتخاذه من خطوات فعلية على الأرض لضمان عدم عودة النظام القمعي مجدداً.
واعتقال العميد صالح البسيس يأتي ليؤكد أن السلطات الجديدة تسير في طريق تصفية تركة الأسد الأمنية الثقيلة، وتؤكد جدية الدولة في اجتثاث الفلول التي لا تزال تحاول التشبث بمواقع السلطة والنفوذ.
لكن الطريق ما زال طويلاً ومعقداً. إذ لا تزال بعض البؤر الأمنية غير خاضعة تماماً لسيطرة الحكومة، كما أن الدعم الإقليمي لبعض رموز النظام المخلوع قد يشكل تحدياً إضافياً.
ومع ذلك، فإن سلسلة الضربات الأمنية الأخيرة، بما فيها إحباط الانقلاب واعتقال القيادات المتورطة، تمثل بداية قوية لمعركة استعادة الدولة السورية من قبضة المخابرات والأسرة الحاكمة التي حكمت لعقود بالحديد والنار.
وبينما يتابع السوريون التطورات بترقب، يعلّق كثيرون آمالهم على ألا تكون هذه الاعتقالات مجرد رسائل سياسية، بل مقدمة لمحاكمات حقيقية تُنصف الضحايا، وتؤسس لمرحلة عدالة انتقالية طال انتظارها.
اقرأ أيضًا : “هجمات منسّقة واعتقالات بالجملة”.. الاحتلال يفتح الضفة للمستوطنين ويحاصر صوت الاحتجاج