لم يعد النزوح في السودان حدثًا طارئًا أو أزمة مؤقتة، بل بات واقعًا دائمًا ومفروضًا على ملايين المواطنين الذين لا ذنب لهم سوى أنهم عالقون في صراع دموي غذّته أطراف خارجية، وعلى رأسها النظام الإماراتي بقيادة محمد بن زايد.
فبحسب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فإن واحدًا من كل ثلاثة سودانيين بات نازحًا، في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم، لكن المأساة لا تتوقف عند حدود الأرقام، بل تتكشف في الميادين المحاصرة، وفي صرخات العطش، وفي الجثث المتناثرة، وفي مخيمات دارفور، خصوصًا زمزم وأبوشوك وأبوجا، التي تحولت إلى مناطق موت بطيء.
ومن بين كل المدن، تشهد مدينة الفاشر اليوم وضعًا كارثيًا لا مثيل له، وسط حصار مطبق تفرضه قوات الدعم السريع المدعومة من الإمارات، في ظل تجاهل عالمي فاضح.

الفاشر تحت الحصار.. مجاعة وحرب واستغاثات بلا مجيب
منذ مايو/أيار 2024، تتعرض مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، لحصار خانق وهجمات متكررة من قبل قوات الدعم السريع، التي شنت هجومًا واسعًا مؤخرًا على المدينة ومخيماتها المحيطة، مخلّفة أكثر من 400 قتيل في أيام معدودة، وفقًا للأمم المتحدة.
تقول تقارير ميدانية وشهادات للصحافة الدولية، إن مخيمات النازحين في الفاشر تعيش على حافة المجاعة. لا طعام، لا دواء، لا ماء. ويعالج الناس جراحهم بقطع قماش، ويستخدمون ملح الطعام كمطهر,
كما يُقدّر أن نحو 825 ألف طفل في الفاشر وحدها، محاصرون في هذا الجحيم، بحسب منظمة اليونيسف، في مشهد إنساني يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية.
أصابع الاتهام تتجه نحو الإمارات.. الدم يمول نفوذ أبوظبي
كل الطرق في هذا النزيف السوداني تؤدي إلى أبوظبي، حيث يقف النظام الإماراتي راعياً رئيسياً للخراب السوداني عبر تسليح وتمويل ميليشيا الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي).
تشير تقارير حقوقية وتحقيقات دولية متطابقة إلى أن الإمارات وفرت لقوات الدعم السريع:
-
الأسلحة المتطورة والذخائر، بعضها صيني المصدر نقلته طائرات إماراتية عبر ليبيا وتشاد.
-
الدعم اللوجستي والاستخباراتي، بما في ذلك تكنولوجيا مراقبة وأقمار اصطناعية.
-
تمويل مباشر عبر شركات الذهب السوداني المرتبطة بشبكات تهريب تنطلق من دارفور إلى مطارات أبوظبي.
ولم تكتفِ الإمارات بتسليح الميليشيا، بل دعمت حميدتي سياسيًا ودبلوماسيًا، وروّجت لروايته في المحافل الدولية، معتبرة أن ميليشياته “قوة نظامية تسعى لحماية المدنيين”، في قلبٍ سافر للحقائق التي توثقها الكاميرات يوميًا في دارفور والفاشر.
دارفور تحترق.. والعالم يتجاهل “محرّك النار
شهدت مخيمات النازحين، خصوصًا زمزم، عمليات تطهير عرقي منظمة شملت:
-
إعدامات ميدانية واعتداءات جنسية موثقة بشهادات ناجين.
-
نهب وحرق المخيمات بالكامل.
-
استهداف النساء والأطفال بشكل ممنهج.
ونشرت وكالات الأنباء الدولية، ومنها وكالة فرانس برس، شهادات لنازحين يؤكدون أنهم يعيشون مجاعة حقيقية، ويتلقّون العلاج في بيوت خاصة بوسائل بدائية، وسط عجز كامل في الخدمات الطبية والإغاثية.
وقالت منظمة “أطباء بلا حدود” إنها عالجت أكثر من 170 شخصًا من إصابات نارية وانفجارات، معظمهم من النساء والأطفال، في ظل انعدام كامل لمرافق الطوارئ.
وفي تصريح صحفي، قال تيبو هندلر ممثل المنظمة:
“لا مياه، لا صرف صحي، لا طعام… المنطقة التي كانت أرضًا خالية أصبحت تعجّ بالعائلات اليائسة”.
بن زايد.. مشروع الدم من ليبيا إلى السودان
ما يحدث في السودان اليوم ليس جديدًا على استراتيجية محمد بن زايد.
فقد سبق له أن دمر ليبيا بدعم خليفة حفتر، وجزّأ اليمن بدعم المجلس الانتقالي، ويعيد ذات السيناريو في السودان، مستخدمًا الميليشيات كأذرع عسكرية خارجية لتوسيع نفوذه تحت ستار محاربة الإرهاب أو “دعم الاستقرار”، بينما الحقيقة أن الإمارات تصنع حروبًا وتُشعل نيرانًا لا تنطفئ.
السودان بالنسبة لأبوظبي هو:
-
سوق ذهب وثروات طبيعية، تسعى للسيطرة عليها عبر الدعم السريع.
-
بوابة جيوسياسية إلى العمق الإفريقي.
-
مسرح نفوذ لمواجهة تركيا وقطر في شرق القارة.
ولهذا، فإن استمرار النزيف السوداني مصلحة مباشرة للإمارات، ما لم يتم فضح دورها ومحاسبتها دوليًا.
هل يوقف أحد آلة الدمار؟ نداء عاجل من داخل الجحيم
ناشد الناجون في الفاشر، بينهم الطفل محمد ووالده، الجهات الدولية، والمنظمات الحقوقية، وكل من بقي فيه ضمير، بالتدخل الفوري لإنقاذ ما تبقى من سكان المدينة المحاصرة.
وقال محمد، أحد الجرحى الذين يُعالجون في البيوت:
“نحتاج فقط لمن يوصل الدواء والطعام… الحصار يقتلنا ببطء”.
وفي ذات السياق، دعت “أطباء بلا حدود” إلى فتح ممرات جوية فورية لإيصال الغذاء والمستلزمات الطبية، حيث لا تزال الطرق مغلقة تمامًا أمام أي قوافل إنسانية.
لكن الصمت لا يزال يخيّم.
ولا أحد يتجرأ على مواجهة أبوظبي، رغم أن جريمتها واضحة، ويدها في الدم السوداني ملوّثة بما يكفي لإدانة تاريخية.
من سيحاسب بن زايد على الخراب؟
اليوم، لا يمكن الحديث عن أزمة في السودان بمعزل عن دور الإمارات التخريبي. فكل قرية محروقة، وكل مخيم مدمر، وكل طفل يموت عطشًا أو قصفًا، هو نتيجة مباشرة لسياسة أبوظبي في التوسع والسيطرة والدمار.
وإذا لم يتحرّك العالم لمحاسبة محمد بن زايد على ما فعله ويفعله، فإننا لا نتحدث فقط عن مجاعة في الفاشر أو عن نزوح في دارفور، بل عن مخطط تدمير ممنهج لوطن بأكمله، يُدار من غرف العمليات في أبوظبي.
آن الأوان لكسر هذا الصمت، ولتجفيف منابع الدمار، فالسكوت جريمة، والتواطؤ خيانة، والتأخر في الإنقاذ جريمة إبادة أخرى.
اقرأ أيضًا : اللواء الثامن يتفكك والنظام الإماراتي يتراجع .. نهاية حفتر سوريا