في تطور جديد يكشف عن خلل فادح في منظومة الأمن القومي الأميركي، فجّرت صحيفة نيويورك تايمز فضيحة من العيار الثقيل مفادها أن وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث استخدم تطبيق المراسلة غير الآمن “سيغنال” لمشاركة تفاصيل حساسة تتعلق بخطة هجوم عسكري على اليمن. 

الأكثر إثارة أن تلك التفاصيل لم تُشارك مع قيادات عسكرية أو مسؤولي الأمن القومي فحسب، بل وُزعت في دردشة جماعية ضمّت زوجته وشقيقه، إلى جانب محاميه الشخصي!.

هذه الواقعة، التي تأتي بعد أسابيع فقط من فضيحة مشابهة كشف عنها موقع ذي أتلانتيك، تؤكد مرة أخرى أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا تزال تتعامل مع أسرار الأمن القومي بعقلية الهواة، غير المؤهلين لحمل مسؤولية قيادة دولة تملك أكبر ترسانة عسكرية في العالم.

“عائلة الأمن القومي”.. حين تتحول مؤسسات الدولة إلى نادٍ عائلي

تفاصيل الفضيحة تُظهر أن هيغسيث لم يكتف بمشاركة تفاصيل الغارات الجوية المقررة ضد جماعة الحوثيين في اليمن مع مسؤوليه داخل وزارة الدفاع، بل شمل أيضًا في الدردشة كلاً من زوجته جينيفر، وهي منتجة سابقة لدى “فوكس نيوز”، وشقيقه فيل، الذي تم تعيينه في البنتاغون مستشاراً كبيراً ومسؤول اتصال بوزارة الأمن الداخلي.

وفقًا لمصادر تحدثت لـ نيويورك تايمز ووكالة أسوشيتد برس، بلغ عدد المشاركين في هذه الدردشة عبر “سيغنال” 13 شخصاً، بينهم أفراد من العائلة وأصدقاء، وسمّيت المحادثة بـ”اجتماع فريق الدفاع”! هذا في حد ذاته يعكس حجم الفوضى وغياب المهنية داخل إدارة هيغسيث، وامتداد تلك الفوضى لتصل إلى أرفع مستويات التخطيط العسكري.

ما يزيد الطين بلّة أن جينيفر، زوجة الوزير، كانت تحضر اجتماعات أمنية رفيعة المستوى مع عسكريين أجانب، كما كشفت صحيفة وول ستريت جورنال.

فأي معايير أمنية هذه التي تسمح لمواطنين غير مخولين –ولا يحملون أي صفة رسمية أو تصريح أمني– بالوصول إلى معلومات تعتبر في غاية الخطورة؟

فشل متكرر في ضبط التسريبات.. وإدارة ترامب صامتة

من المفارقات التي تدعو للسخرية أن هذه الفضيحة تأتي بعد إقالة دان كالدويل، أحد كبار مستشاري هيغسيث، بسبب تورطه في تسريبات مماثلة، مما يعني أن تسريب المعلومات لم يعد حادثة عرضية، بل أصبح ممارسة معتادة داخل دوائر الأمن القومي لإدارة ترامب، والتي بدورها لم تتخذ حتى الآن أي إجراءات ضد الوزير أو الفريق المحيط به.

بل على العكس، لا تزال المؤسسة السياسية والإعلامية المقربة من ترامب تتعامل مع هذه الفضائح كأمر عادي، دون أي محاسبة حقيقية. ومن هنا، يتجدد الجدل حول أهلية ترامب ومن معه في حكم البلاد، خاصة بعد عودته إلى البيت الأبيض لولاية ثانية في ظل انتخابات مثيرة للجدل نجح فيها مجددًا مستفيدًا من شعبوية داخلية وخلل في النظام الانتخابي الأميركي.

الفضيحة تكشف أن ترامب، الذي لطالما اتهم خصومه بالتساهل في حماية أسرار الدولة، هو نفسه يرأس إدارة لا تحترم أدنى المعايير الأمنية، وتتعامل مع أسرار الدولة وكأنها رسائل شخصية يمكن مشاركتها في مجموعات دردشة على تطبيقات متاحة تجارياً. فـ”سيغنال” -رغم أنه معروف بتقنية التشفير- ليس تطبيقاً مصرحًا باستخدامه لنقل معلومات مصنفة على أنها سرية أو متعلقة بالأمن القومي.

نحو دولة عائلية أم جمهورية أمنية؟

هذه الفضيحة ليست مجرد إهمال إداري، بل هي انعكاس لنمط أوسع من التسيب الذي ميز فترة حكم ترامب، والذي يتعامل مع مؤسسات الدولة وكأنها شركة عائلية، تُدار من المقربين وأصحاب الولاء الشخصي، لا أصحاب الكفاءة والخبرة.

إن السماح لأفراد عائلة الوزير بحضور اجتماعات عسكرية، ومشاركة تفاصيل الضربات الجوية على منصة غير مصرح بها، وتعيين شقيق الوزير في منصب حساس داخل البنتاغون، كلها مؤشرات على وجود نهج خطير يُعيدنا إلى مفهوم “اقتصاد الولاء” داخل مؤسسات الحكم الأميركي.

والأدهى من ذلك أن هذه التسريبات لم تحدث في وقت سِلم، بل تزامنت مع استعدادات لهجوم عسكري على اليمن، وهو ما قد يعرض حياة الجنود الأميركيين وحلفائهم للخطر، ناهيك عن تداعياته الجيوسياسية في منطقة شديدة التعقيد كمنطقة الشرق الأوسط.

فضيحة سياسية-أمنية بامتياز

تكشف قضية تسريب وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث عن انهيار خطير في منظومة الأمن القومي داخل إدارة ترامب، وغياب شبه تام للمحاسبة أو الشفافية. 

فكيف يمكن الوثوق بحكومة تتعامل مع أسرار الحرب وكأنها أخبار عائلية؟ وكيف يمكن لقائد مثل ترامب أن يزعم حماية المصالح القومية وهو يرأس إدارة لا تحترم حتى سرية معلومات العمليات العسكرية؟

ما يحدث اليوم ليس مجرد خلل فردي بل أزمة مؤسساتية تمس جوهر الدولة الأميركية، وقد تكون تبعاتها أكبر مما يتخيله البعض، خاصة مع استمرار ترامب في حكم البلاد خلال ولايته الثانية، وتزايد اختراق الدوائر الحساسة من قبل غير المؤهلين.

اقرأ أيضًا : عنجهية الاحتلال.. حكومة نتنياهو تهدد فرنسا حال اعترفت بدولة فلسطينية