“الحرم القدسي بأيدينا! أكرر، الحرم القدسي بأيدينا!” بهذه العبارة الصاخبة أعلن الفريق مردخاي جور، قائد قوات المظليين في جيش الاحتلال الإسرائيلي، سقوط المسجد الأقصى في قبضة الاحتلال عام 1967.

بينما اعتبر اليهود هذا الحدث “هدية من الله”، عاشه العرب والمسلمون كنكسة ممتدة لا تزال آثارها تتعمق كل يوم.
منذ ذلك اليوم، أطلقت إسرائيل مشروعها الأخطر: “القدس الكبرى”، الهادف إلى تهويد المدينة المقدسة بالكامل، وتحويلها إلى مركز للسيادة اليهودية، عبر قضم الأراضي الفلسطينية، وتغيير التركيبة السكانية للمدينة.

 

كيف استولى الاحتلال على القدس؟

قبل نكسة يونيو 1967، كان اليهود يسيطرون على نحو 6 كيلومترات مربعة فقط من مدينة القدس، أي ما يعرف اليوم بـ”القدس الغربية”، بينما كانت “القدس الشرقية”، التي تضم البلدة القديمة ومقدسات المسلمين والمسيحيين، تحت إدارة الأردن.

بعد الحرب، ضم الاحتلال القدس الشرقية إلى الغربية، فكبرت مساحة المدينة المحتلة إلى نحو 70 كيلومترًا مربعًا، أي أكثر من عشرة أضعاف حجمها الأصلي. شمل هذا الضم الجائر 28 بلدة وقرية فلسطينية، منها سلوان، العيسوية، رأس العمود، وجبل المكبر.

لاحقًا، فرضت إسرائيل حدودًا بلدية جديدة للقدس ضمت القدس الغربية (مثل كريات يوفيل وتلبيوت وبيت هكيرم)، القدس الشرقية، بما فيها البلدة القديمة وأحياء فلسطينية عدة، مستوطنات جديدة أنشئت بعد الاحتلال مثل بسغات زئيف، نفيه يعقوب، ورمات أشكول، أحياء فلسطينية معزولة خارج الجدار، مثل كفر عقب ومخيم شعفاط.
لقد قسم الاحتلال القدس إلى مربعات إدارية معقدة، دمج فيها الأحياء الفلسطينية بالإدارة الإسرائيلية، وأحاطها بمستوطنات جديدة، لفرض واقع استيطاني دائم.

ما هو مشروع “القدس الكبرى”؟

“القدس الكبرى” هو مخطط استراتيجي إسرائيلي بدأ فعلياً منذ احتلال 1967، لكنه عاد بقوة في عام 2025، حين ناقشت الحكومة الإسرائيلية قانونًا خاصًا بضم مستوطنات الضفة الغربية المحيطة بالقدس إلى بلديتها.

يرمي المشروع إلى:

  • ضم مستوطنات ضخمة مثل معاليه أدوميم، غفعات زئيف، وكفار أدوميم.

  • توسيع مساحة القدس إلى حوالي 600 كيلومتر مربع (ما يعادل 10% من مساحة الضفة الغربية).

  • فصل القدس الشرقية تمامًا عن محيطها الفلسطيني.

  • تفكيك التواصل الجغرافي بين مدن الضفة الغربية عبر شبكة طرق التفافية وأنفاق.

وفق هذا المشروع، ستتحول القدس إلى مدينة يهودية الطابع بالكامل، مع تقليص نسبة الفلسطينيين فيها إلى نحو 12% فقط.

كيف استغل الاحتلال حرب غزة لفرض الأمر الواقع؟

بينما كانت أنظار العالم مشدودة إلى مشاهد المجازر في غزة، كان الاحتلال يواصل بهدوء حربه الديموغرافية على القدس فخلال الربع الأول من عام 2025 نُفذت 91 عملية هدم منازل في القدس، بينها 26 عملية هدم ذاتي قسري أجبر فيها الفلسطينيون على تدمير بيوتهم بأنفسهم.

كما اعتُقل العشرات من الشبان المقدسيين، خاصةً في البلدة القديمة ومحيط المسجد الأقصى، فُرضت أوامر إبعاد جماعي عن المسجد الأقصى، واعتُدي على المرابطين والمصلين.

تزامن هذا مع بدء تنفيذ مشروع “طريق نسيج الحياة”، الذي يُعد أخطر خطوة عملية لتحويل الطرق الفلسطينية إلى أنفاق معزولة، بينما يظل السطح للمستوطنين فقط. هذا يعني عمليًا قطع القدس الشرقية عن بقية الضفة الغربية بالكامل.

الأهداف الحقيقية لمشروع “القدس الكبرى”

على الرغم من الحديث الإسرائيلي الرسمي عن “التطوير الحضري”، إلا أن الحقيقة أبعد من ذلك. الهدف المركزي هو تغيير طبيعة القدس، تحويل القدس إلى مدينة يهودية خالصة، إضعاف الوجود الفلسطيني وخنقه ديموغرافيًا، فرض واقع يمنع أي مفاوضات مستقبلية تقود إلى دولة فلسطينية عاصمتها القدس.

الاحتلال يريد أن تصبح نسبة اليهود 88% من سكان المدينة مقابل 12% فقط من الفلسطينيين، في حين تبلغ نسبتهم الحالية نحو 35%. أي أن المشروع يسعى إلى قضم كل ما تبقى من الوجود العربي والمسيحي والإسلامي في القدس.

مصير المقدسيين في ظل المشروع

إذا نُفذ مشروع “القدس الكبرى”، سيواجه المقدسيون سيناريو كارثيًا أولها فقدان حق الإقامة والإقامة الدائمة في المدينة، تزايد ظاهرة الطرد القسري تحت ذرائع إدارية وسيبقى العيش في جيوب معزولة بلا بنى تحتية أو خدمات، فيما ستتحول إلى أقلية هامشية بلا أي حقوق سياسية أو مدنية.
الدكتور عبد الله معروف، أستاذ دراسات بيت المقدس، حذر من أن المشروع لا يستهدف فقط تهويد الأرض، بل أيضًا تفريغها من سكانها الشرعيين تدريجيًا، عبر الضغط الاقتصادي والقانوني والأمني.

خريطة القدس وفق “صفقة القرن”

تعزز خريطة “صفقة القرن”، التي كشف عنها دونالد ترامب عام 2020، هذا التوجه الإسرائيلي. فالخريطة تُظهر مدينة القدس كاملة تحت السيادة الإسرائيلية، مع منح الفلسطينيين عاصمة على أطراف المدينة فقط.

وبحسب هذه الخطة:

  • الضفة الغربية تتحول إلى كانتونات معزولة.

  • ربط الضفة بغزة عبر نفق طويل.

  • بقاء المستوطنات الإسرائيلية داخل الضفة كجزر مستقلة مربوطة بإسرائيل.

  • تفتيت الجغرافيا الفلسطينية إلى أشلاء.

هذه الخريطة تمهد عمليًا لفرض القدس الكبرى إسرائيليًا دون أي اعتبار للوجود الفلسطيني أو القانون الدولي.

هل بقي وقت لإنقاذ القدس؟

“النكبة الجديدة” التي تلوح في الأفق ليست مجرد اجتياح عسكري، بل هي عملية تهويد منهجية ومبرمجة للأرض والسكان والتاريخ.
مع تنفيذ مشروع “القدس الكبرى”، قد تجد القدس نفسها خلال عامين فقط وقد اختُطفت بالكامل من بين أيدي الفلسطينيين، وتحولت إلى مجرد مدينة استيطانية بلا روحها الأصلية.

المعركة الحقيقية اليوم لم تعد فقط في غزة أو الضفة الغربية، بل هي معركة الوجود الفلسطيني في القدس بالأساس.
القدس اليوم تستصرخ العالم الإسلامي والعربي والحر لإنقاذها قبل أن يكتمل هذا المشروع الأسود، ويغدو المسجد الأقصى ومعه تاريخ القدس في خطر وجودي حقيقي.

اقرأ أيضًا : الاحتلال يذل أعوانه: “إسرائيل” تمنع طائرة عباس وتحرج ملك الأردن