في خطوة تكشف عن عمق العزلة الدولية التي باتت إسرائيل تواجهها، أعلنت حكومة الاحتلال رسميًا رفضها المشاركة في جلسات الاستماع العلنية التي بدأت في محكمة العدل الدولية، بشأن التزامات إسرائيل القانونية تجاه الأنشطة الأممية والمنظمات الدولية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
ففي بيان ناري، وصف وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر الجلسات بأنها “دعوى قضائية مخزية” و”مسرحية مسيّسة”، متهماً الأمم المتحدة بأنها “هيئة فاسدة ومعادية للسامية”، ومتهجماً بشكل خاص على وكالة الأونروا، معتبراً أنها “مخترقة من قبل الإرهاب بشكل لا يمكن إصلاحه”.
رفض إسرائيل الحضور، واختيارها الهروب إلى الأمام عبر الشتائم السياسية، يعكس بحسب مراقبين مزيجًا من العنجهية والصلف الاحتلالي، وخوفًا متزايدًا من أن تتجه الأنظار العالمية أكثر نحو الجرائم المرتكبة ضد الفلسطينيين تحت غطاء من الحصانة التي تحاول تل أبيب فرضها بالقوة السياسية.

“سيرك مسيّس” أم محاولة لستر الجرائم؟
قرار مقاطعة جلسات محكمة العدل، وتوصيفها بـ”السيرك”، يكشف عقلية الاحتلال في التعامل مع المؤسسات الدولية: عندما لا تكون القرارات في صالحه، يختار مهاجمتها واتهامها بالتحيّز، متجاهلًا أن هذه المؤسسات كانت لفترات طويلة تمنح إسرائيل مساحات من الحماية السياسية، لا سيما عبر الدعم الأمريكي والغربي.
تأتي الهجمة الجديدة بعد تصاعد المطالب الدولية بالتحقيق في انتهاكات الاحتلال في غزة والضفة الغربية، وخصوصاً بعد تزايد الأدلة على استخدام القوة المفرطة ضد المدنيين، ومنع المساعدات الإنسانية، وتدمير البنى التحتية الأساسية، وهي وقائع تحاول إسرائيل منع وصولها إلى ساحات المحاسبة الدولية.
كما أن الهجوم الشخصي على وكالة الأونروا تحديدًا، ليس سوى استمرار لمساعي الاحتلال لإضعاف المؤسسات التي تخدم اللاجئين الفلسطينيين، في محاولة لطمس القضية الفلسطينية، وإنهاء حق العودة بشكل عملي عبر محاربة كل من يرمز إليه.
أزمة خطاب وواقع: إسرائيل بين عزلة متزايدة وغضب متصاعد
إسرائيل اليوم تجد نفسها في وضع غير مسبوق من العزلة الدولية. فمع ارتفاع عدد التقارير الحقوقية الأممية التي تتحدث عن ممارسات ترقى إلى جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، تزداد محاولات الاحتلال لشيطنة أي محفل دولي يفتح ملفاته.
خطاب جدعون ساعر ليس استثناءً، بل هو امتداد لخطٍ إسرائيلي رسمي قائم على الإنكار والتحدي لكل محاولات إخضاع الاحتلال للمعايير الدولية.
عبر وصف الأمم المتحدة بأنها “معادية للسامية”، تحاول إسرائيل استباق أي إدانة أخلاقية وسياسية لها، عبر التلويح بورقة الابتزاز الأخلاقي، رغم أن انتقادات العالم لها تتعلق بالسياسات الاستعمارية لا باليهودية أو الدين.
المفارقة أن هذه “اللغة الهجومية” لم تعد تجد الصدى ذاته في المجتمع الدولي. ففي ظل استمرار العدوان على غزة، وسياسات الفصل العنصري في الضفة الغربية، باتت صورة الاحتلال أكثر قتامة، ولم تعد حملات الابتزاز والشيطنة تمنع صعود خطاب المساءلة الدولية.
مسرحية الرفض: بين محكمة العدل وإرادة الشعوب
رفض إسرائيل المشاركة في جلسات المحكمة، هو بحد ذاته اعتراف ضمني بالخشية من الحقائق التي قد تتكشف خلالها. فلو كانت إسرائيل واثقة من براءتها، لألحت على عرض وجهة نظرها والدفاع عن سياساتها، بدلاً من أن تفرغ شحناتها في هجوم لفظي على المنظمة الدولية ومحاكمها.
وهذا الانسحاب ليس الأول؛ فقد سبق لإسرائيل أن قاطعت تقارير مجلس حقوق الإنسان، وتحقيقات لجان أممية عديدة، ما يعزز صورة الاحتلال ككيان فوق القانون، يرفض الامتثال لأي معايير عالمية.
وفي المحصلة، فإن استعراض الاحتلال في مواجهة محكمة العدل يعبر عن أزمة أعمق من مجرد جلسة استماع؛ إنها أزمة مشروع استيطاني يرى في القوانين الدولية خطرًا وجوديًا عليه. ولذا فهو يختار التصعيد الكلامي، والاتهامات العبثية، بدلًا من مواجهة الحقائق.
لكن ما لا تدركه إسرائيل أن العالم لم يعد كما كان، وأن عصر الصمت الدولي أمام الجرائم بات يتآكل، وأن عدالة القضية الفلسطينية بدأت تجد طريقها أكثر إلى وجدان الشعوب الحرة.
اقرأ أيضًا : فضيحة زيكيم: حين استخدمت المقاومة سيارة لواء غولاني وقائد القاعدة تحصن في منزله