تصاعدت حدة الغضب الشعبي الفلسطيني تجاه رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، بعد تداول مقطع له خلال اجتماع المجلس المركزي الفلسطيني، أطلق فيه إهانات لاذعة بحق المقاومة الفلسطينية، في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي الوحشي على قطاع غزة.

في المقطع ظهر عباس وهو يخاطب فصائل المقاومة بعبارات مهينة قائلاً: “يا أولاد الكلب.. سلموا الرهائن اللي عندكم وخلصونا”، في إشارة إلى الجنود الإسرائيليين الأسرى لدى المقاومة في غزة. 

جاءت هذه التصريحات في وقت تتعرض فيه غزة لحرب إبادة، وسط حصار خانق أودى بحياة عشرات الآلاف وتسبب في انهيار الأوضاع الإنسانية.

رد الفعل الفلسطيني لم يتأخر، حيث عبّر الفلسطينيون عن صدمتهم وغضبهم من العبارات الصادرة عن رئيس يفترض به أن يمثل تطلعاتهم الوطنية. اعتبر كثيرون هذه التصريحات تماهياً فجاً مع الخطاب الإسرائيلي الذي يسعى لتجريم المقاومة وشيطنتها.

وقد شن القيادي البارز في حركة حماس، أسامة حمدان، هجوماً عنيفاً على عباس، معتبراً أن تصريحاته “وصمة عار” على جبين السلطة الفلسطينية. وخلال مقابلة تلفزيونية مساء السبت، قال حمدان موجهاً خطابه لعباس:

“نحن أبناء عز الدين القسام وعبد القادر الحسيني والشيخ أحمد ياسين، ولسنا كما قلت أنت.”

كلمات حمدان جاءت لتعبر عن الشعور السائد بين شرائح واسعة من الشعب الفلسطيني، الذي بات يرى في عباس رمزاً للعجز، والارتهان لإرادة الاحتلال.

استطلاعات الرأي: أغلبية كاسحة تطالب بالرحيل

الغضب من محمود عباس لم يقتصر على التصريحات المسيئة الأخيرة، بل هو نتاج تراكم طويل من السياسات التي رآها الفلسطينيون تفريطًا بالحقوق الوطنية. وقد كشفت استطلاعات الرأي عن حجم هذا التململ الشعبي المتزايد.

فبحسب استطلاع أجراه الباروميتر العربي بين أكتوبر وديسمبر 2023، أظهرت النتائج أن 78% من الفلسطينيين طالبوا باستقالة عباس، وهي نسبة صادمة تعكس حجم الفجوة بينه وبين الشارع الفلسطيني.

المثير أن النسبة ارتفعت لاحقاً إلى 88% مع نهاية ديسمبر، حيث بلغت في الضفة الغربية وحدها 91%، فيما سجلت 81% في قطاع غزة، رغم اختلاف طبيعة السيطرة السياسية بين المنطقتين.

وبحسب استطلاع آخر أجرته صحيفة “المنار” في يونيو 2024، وصلت نسبة المطالبين برحيل عباس إلى 89%، في وقت أيد فيه 60% من المستطلعين حل السلطة الفلسطينية برمتها، في تعبير واضح عن تآكل الثقة بمشروع “الحكم الذاتي” الذي قادته السلطة منذ تأسيسها.

أما استطلاع “النشرة الدولية” في مارس 2024، فقد أكد هذه الاتجاهات، حيث عبر 84% من الفلسطينيين عن رغبتهم في استقالة عباس، فيما أبدت نسبة 70% منهم تفضيلهم لحركة حماس كبديل سياسي محتمل لقيادة الساحة الفلسطينية.

هذه النتائج تعبر بجلاء عن قطيعة شبه كاملة بين القيادة الحالية، وعلى رأسها محمود عباس، وبين الشعب الفلسطيني الذي يعيش حالة من الغضب والإحباط إزاء انسداد الأفق السياسي، وغياب أي مشروع تحرري حقيقي.

عباس: رمز لفشل السلطة و”الوكيل الأمني” للاحتلال

يرى كثير من الفلسطينيين أن محمود عباس لم يعد مجرد رئيس فاقد للشرعية الشعبية، بل تحول إلى أحد أدوات الاحتلال الإسرائيلي لضبط الأوضاع الأمنية في الضفة الغربية.

فمنذ سنوات، يصفه معارضوه بأنه “وكيل الاحتلال”، بسبب استمرار التنسيق الأمني بين أجهزة السلطة وقوات الاحتلال، رغم الجرائم الإسرائيلية اليومية بحق الشعب الفلسطيني.

وتتواتر الاتهامات لعباس بأنه يعمل على ملاحقة فصائل المقاومة، واعتقال كوادرها في الضفة الغربية، بدل دعمها في معركتها ضد الاحتلال.

وقد عبر ناشطون فلسطينيون عبر مواقع التواصل عن هذه النظرة بوضوح، حيث تصدرت الوسوم التي تطالب برحيل عباس، مثل #ارحل_يا_عباس و**#عباس_لا_يمثلنا**، قوائم الترند خلال الأيام الماضية.

يعتبر الفلسطينيون أن عباس فقد أي مبرر للاستمرار في منصبه، بعدما حول السلطة إلى مجرد إدارة خدماتية تحت الاحتلال، منزوعة السيادة، ومنفصلة عن هموم ومعاناة الناس، خصوصاً مع تفاقم الفقر، والبطالة، وتردي الأوضاع المعيشية في الضفة الغربية وقطاع غزة.

وفي ظل العدوان الإسرائيلي الوحشي على غزة، برزت الفجوة بصورة أكثر فداحة. فبينما كانت المقاومة تقدم التضحيات الكبيرة دفاعاً عن الشعب الفلسطيني، ظهر عباس بمواقف وتصريحات تضعه في صف الاحتلال، بل وتسيء إلى رموز المقاومة التي تحظى بتقدير شعبي واسع.

نحو مرحلة جديدة.. هل يسقط عباس؟

تزايد الدعوات الشعبية لاستقالة محمود عباس يعزز الحديث عن إمكانية الدخول في مرحلة سياسية جديدة داخل الساحة الفلسطينية، عنوانها البحث عن قيادة بديلة قادرة على استعادة ثقة الناس، والدفاع عن الحقوق الوطنية بعيداً عن نهج المساومة والتنسيق مع الاحتلال.

لكن مع غياب الآليات الديمقراطية الحقيقية داخل المؤسسات الفلسطينية، وتعقيد الواقع السياسي بفعل الانقسام الداخلي، تبقى مهمة التغيير صعبة، ما لم تحدث انتفاضة شعبية داخلية أو ضغوط إقليمية ودولية تجبر عباس على الرحيل.

حتى ذلك الحين، يظل الغضب الشعبي الفلسطيني ضد عباس مرشحاً للتصاعد، مدفوعاً بالدماء المسفوكة في غزة، وبالخيبات المتراكمة على مدى سنوات من الرهان الخاسر على مفاوضات لم تجلب سوى المزيد من القهر والاحتلال.

اقرأ أيضًا : “رجل إسرائيل في رام الله”.. عباس يسلّم حسين الشيخ مفاتيح الخيانة بالضفة